الصحوة – عبدالفتاح الصناعي
نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية مقالًا لمعالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير خارجية سلطنة عُمان، قدّم فيه قراءة استراتيجية لما بعد الحرب، ورؤية لمستقبل الأمن الإقليمي تقوم على الحوار، والشراكة، وبناء الثقة. فالمقال لا يكتفي بتوصيف تداعيات الصراع الأخير، بل يتجاوز ذلك إلى طرح أسئلة أعمق حول مستقبل المنطقة، وكيف يمكن الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة أمنية أكثر استقرارًا وتوازنًا.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة كونها طُرحت عبر منبر دولي مؤثر، في لحظة تشهد فيها المنطقة مراجعة للكثير من السياسات التي حكمت العلاقات الإقليمية خلال العقود الماضية، والبحث عن مقاربات جديدة قادرة على التعامل مع التحديات المتغيرة.
يلفت الانتباه في المقال وضوح الموقف العُماني من الحرب، حين وصفها بأنها “حرب لم يكن لها ما يبررها”، وأنها كانت “كارثة لم تحقق أهدافها”. وهي عبارات تعكس نهجًا دبلوماسيًا طالما ركز على أن الحلول السياسية والحوارية أكثر قدرة على معالجة الأزمات من استمرار المواجهات.
كما يؤكد معالي الوزير مسؤولية سلطنة عُمان في العمل مع إيران والمجتمع الدولي للتوصل إلى ترتيبات قانونية وعملية تضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز. ويعكس هذا الطرح رؤية تتعامل مع أمن الممرات البحرية باعتباره مصلحة مشتركة لا قضية صراع، وأن استقرار المنطقة يحتاج إلى تفاهمات مستدامة بين جميع الأطراف المعنية.
ومن أبرز الأفكار التي طرحها المقال إعادة النظر في مقاربة “الاحتواء” التي طبعت جانبًا كبيرًا من سياسات أمن الخليج منذ عام 1979، مقابل طرح مفهوم “الشمول” باعتباره إطارًا بديلًا يقوم على مشاركة جميع الدول المطلة على الخليج في صياغة ترتيبات أمنية أكثر توازنًا، بعيدًا عن منطق الإقصاء.
وتكمن أهمية هذه الرؤية في أنها لا تبحث عن طرف منتصر وآخر خاسر، بل تحاول نقل المنطقة من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إدارة المصالح المشتركة. فالأمن في عالم اليوم لم يعد قائمًا فقط على موازين القوة، بل على قدرة الدول على بناء قنوات التواصل وتقليل فرص سوء الفهم والصدام.
وفي هذا السياق، تأتي دعوة الوزير إلى مراجعة واقعية للعلاقات مع الحلفاء، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، باعتبارها دعوة لإعادة قراءة المتغيرات الدولية والإقليمية، بما يحفظ المصالح المشتركة ويعزز قدرة المنطقة على التعامل مع تحديات المستقبل.
كما يوسّع المقال دائرة النظر إلى أمن الخليج حين يربطه بأمن شمال غرب المحيط الهندي، مشيرًا إلى أهمية باب المندب والبحر الأحمر ضمن منظومة استراتيجية مترابطة. فاستقرار الخليج لا ينفصل عن أمن الممرات البحرية المحيطة به، ولا عن قدرة دول المنطقة على التعاون في حماية المصالح المشتركة.
ولا تبدو هذه الرؤية منفصلة عن المسار الذي اتبعته سلطنة عُمان خلال العقود الماضية، والقائم على الحوار، والوساطة، وبناء الثقة. فقد اعتمدت مسقط مقاربة تقوم على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، حتى في أكثر الملفات تعقيدًا، انطلاقًا من قناعة بأن الدبلوماسية قادرة على توفير مساحات للحلول عندما تضيق خيارات المواجهة.
ويأتي هذا الطرح امتدادًا لنهج سلطنة عُمان الثابت في سياستها الخارجية، القائم على عدم التدخل، واحترام سيادة الدول، ودعم الحلول السلمية، وهي مرتكزات عززت حضورها الدبلوماسي في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله-.
وقد ظهر هذا النهج في عدد من ملفات المنطقة، ومن بينها الملف اليمني، حيث أسهمت التحركات العُمانية في دعم قنوات التواصل وتشجيع مسارات التهدئة، بما يعكس أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الدبلوماسية الهادئة في تخفيف حدة الأزمات وتهيئة الظروف أمام الحلول السياسية.
ومن هنا تبرز قيمة التجربة العُمانية؛ ليس باعتبارها بحثًا عن أدوار سياسية، وإنما باعتبارها مقاربة تعتمد على الحوار كأداة لإدارة الخلافات، وبناء الثقة كمدخل لصناعة الاستقرار.
إن الرؤية التي طرحها بدر البوسعيدي لا تقتصر على قراءة نتائج حرب، بل تفتح نقاشًا أوسع حول شكل الأمن الذي تحتاجه المنطقة في المرحلة المقبلة: أمن يقوم على الشراكة بدل الاستقطاب، وعلى التفاهم بدل التصعيد، وعلى تحويل الجغرافيا المشتركة إلى مصالح مشتركة.
وهنا تكمن رسالة عُمان إلى العالم: أن السلام لا يُبنى فقط بإنهاء الحروب، بل بإنشاء جسور الحوار، وتعزيز الثقة، وإيجاد مساحات تلتقي فيها المصالح بدل أن تتصادم. وهي رسالة تعكس نهجًا استراتيجيًا راسخًا في السياسة العُمانية، يقوم على أن الحوار يظل الطريق الأكثر استدامة لصناعة الأمن والاستقرار.




























