الصحوة – عبدالفتاح الصناعي
في العلاقات بين الدول، قد تصنع السياسة تحالفاً مؤقتاً، وقد تفرض المصالح تقارباً أو تباعداً ، لكن العلاقات التي تؤسسها الحضارة والجغرافيا والتاريخ غالباً ما تكون أكثر رسوخًا وقدرة على تجاوز الأزمات. ومن هذا المنطلق، تبدو العلاقة بين سلطنة عُمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجاً يستحق التأمل؛ فهي علاقة سبقت السياسة، واستطاعت أن تتجاوز تغير الأنظمة وتقلبات الإقليم، لأنها قامت على إرث حضاري طويل، وحسن جوار، ورؤية تؤمن بأن الاستقرار يصنعه الحوار أكثر مما تصنعه المواجهة.
الحضارات الحقيقية لا تُبنى على الصراع، بل على التفاعل والتواصل والحوار. ومن هذا المنطلق، نسجت عُمان عبر تاريخها علاقات حضارية واسعة مع مختلف الأمم، من الحضارة الفارسية والهندية والصينية إلى الحضارات الأخرى، مستفيدة من موقعها البحري وإرثها التجاري والثقافي العريق، لتصبح جسرًا بين الشرق والغرب، ومنصةً للتلاقي أكثر منها ساحةً للصراع.
ولعل ما يميز التجربة العُمانية أن الحضارة لديها لم تكن مجرد إرث تاريخي، بل تحولت إلى منهج في إدارة العلاقات الخارجية؛ فكانت السياسة امتداداً للقيم الحضارية، لا قطيعة معها، وهو ما منحها قدرة استثنائية على بناء الثقة مع مختلف الأطراف.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم العلاقة العُمانية الإيرانية من خلال الحسابات السياسية وحدها، فهي علاقة تتجاوز حدود الجغرافيا إلى عمق التاريخ والحضارة. فقبل قيام الدول الحديثة، كانت مياه الخليج وبحر عُمان فضاءً للتبادل التجاري والثقافي والإنساني بين الشعبين، وهو ما منح العلاقة بعدًا حضارياً راسخاً سبق التحالفات والخلافات السياسية.
ولهذا لم تُبنَ العلاقة العُمانية الإيرانية على ظرف سياسي عابر أو تقاطع مصالح مؤقت، وإنما على ثلاثة مرتكزات ثابتة: الحوار الحضاري، والجوار الجغرافي، وإدراك عميق بأن أمن الخليج لا يتحقق إلا بالتفاهم بين ضفتيه.
وعبر مراحل التاريخ الحديث، حافظ البلدان على علاقة اتسمت بحسن الجوار وتجنب الصدام المباشر. وقد تجلّى ذلك في دعم إيران، في عهد الشاه، لسلطنة عُمان خلال حرب ظفار، ثم في استمرار السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه-، بعد قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، في الحفاظ على علاقة متوازنة مع النظام الجديد، دون قطيعة أو عداء، مع تمسك عُمان باستقلال قرارها السياسي ورفضها الانخراط في سياسات المحاور.
واللافت أن تغير الأنظمة في إيران لم يغيّر جوهر السياسة العُمانية؛ فمن عهد الشاه إلى الجمهورية الإسلامية، تعاملت مسقط مع الدولة الإيرانية بوصفها دولةً جارة ذات امتداد تاريخي وحضاري، لا باعتبارها خصماً أيديولوجياً. وهذه إحدى أبرز سمات الدبلوماسية العُمانية القائمة على استمرارية الدولة وثبات المبادئ، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
ولهذا لم يكن مستغرباً أن تؤدي عُمان، خلال العقود الماضية، دور الوسيط الموثوق بين واشنطن وطهران في أكثر الملفات تعقيداً، مستندة إلى رصيد من الثقة بناه التاريخ قبل السياسة. كما عبّرت مسقط بوضوح عن رفضها للحروب واتساع رقعة الصراع، وحذرت من تداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، انطلاقاً من قناعتها بأن الحوار أقل كلفة من المواجهة، وأن الأمن الحقيقي لا يتحقق إلا بالتفاهم وبناء الثقة.
وفي الوقت نفسه، لم تكن متانة العلاقة العُمانية مع إيران يومًا على حساب عمقها الخليجي والعربي؛ فقد حافظت مسقط على شراكاتها الاستراتيجية مع دول مجلس التعاون، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أمن الخليج منظومة واحدة، وأن بناء الجسور بين الأشقاء والجيران هو السبيل الأمثل لترسيخ الاستقرار والسلام.
ولذلك اكتسبت عُمان احترام مختلف الأطراف، لأنها لم تجعل الحوار وسيلة تكتيكية تفرضها الظروف، بل خياراً استراتيجياً متجذرًا في فلسفتها السياسية. فكلما أُغلقت أبواب الحوار، بقيت مسقط نافذة مفتوحة للتواصل، وكلما ارتفعت حدة الاستقطاب، تمسكت بمسافة واحدة من الجميع، واضعةً مصلحة الأمن والاستقرار فوق منطق المحاور.
واليوم، يمثل مضيق هرمز الامتحان الأبرز لهذه الفلسفة. فبدلاً من أن تنظر إليه بوصفه نقطة اشتعال، تنظر إليه عُمان باعتباره شريانًا للتجارة العالمية وجسراً للتعاون الإقليمي. فسلام هرمز ليس مصلحة عُمانية أو إيرانية فحسب، بل مصلحة خليجية وعربية ودولية، لأن أمن الطاقة، وحرية الملاحة، واستقرار الاقتصاد العالمي، تبدأ جميعها من أمن هذا الممر البحري الحيوي.
إن العلاقة العُمانية الإيرانية لم تبدأ بالسياسة، ولن تختزلها السياسة؛ فهي علاقة تشكلت عبر قرون من الجوار، والتبادل الحضاري، والمصالح المشتركة، ثم جاءت الدبلوماسية لتبني على هذا الإرث لا لتستبدله.
لقد أثبت التاريخ أن الجوار حين يستند إلى الحضارة، والدبلوماسية حين تستند إلى الثقة، يصبحان أكثر قدرة على حماية السلام من سباقات التسلح والتحالفات المؤقتة. ويقف مضيق هرمز اليوم شاهدًا على هذه الحقيقة؛ فإما أن يبقى جسرًا للتجارة والتواصل والازدهار، وإما أن يتحول إلى بؤرة توتر يدفع الجميع ثمنها.
وهكذا تثبت عُمان أن الحضارة ليست صفحات في كتب التاريخ، بل رؤية تُترجم إلى سياسة، وأن الجوار ليس قدراً جغرافياً فحسب، بل مسؤولية أخلاقية واستراتيجية. ومن هنا، يمكن القول إن خصوصية العلاقة العُمانية الإيرانية لم تكن يومًا خروجاً على محيطها الخليجي أو العربي، وإنما تعبيراً عن فلسفة عُمانية راسخة ترى أن أفضل السبل لحماية الخليج ليست في تعميق الانقسامات، بل في بناء الثقة، وتعزيز الحوار، وتحويل الجغرافيا المشتركة إلى مساحة للتعاون.
ومن هذا الإرث الحضاري، ومن هذا الفهم العميق للجوار، ومن هذه السياسة المتوازنة، تواصل عُمان أداء دورها كنافذة للحوار وجسر للتقارب، لتؤكد أن السلام ليس موقفاً عابراً، بل مشروع حضاري متجذر في هويتها الوطنية. واليوم، ومع ما تشهده المنطقة من تحديات واختبارات متجددة، تتجدد أهمية هذه الفلسفة القائمة على احترام السيادة، وحسن الجوار، والدبلوماسية الهادئة، بوصفها السبيل الأكثر قدرة على احتواء الأزمات والحفاظ على أمن الخليج واستقراره.
فكلما اشتدت التحديات، برزت الحاجة إلى من يفتح أبواب الحوار، ويبني الثقة، ويؤمن بأن استدامة الأمن لا تتحقق بالمواجهة وحدها، بل أيضًا بالحكمة والتواصل والمسؤولية المشتركة.



























