حصريٌّ لـ«الصحوة» – في وقتٍ لم تكد فيه ذاكرة العالم تتجاوز آثار جائحة كورونا، عاد اسم فيروسٍ قديم ليشغل وسائل الإعلام والمنصات الصحية عالميًا خلال الأسابيع الماضية، بعد تسجيل إصابات ووفيات مرتبطة بتفشٍّ غامض على متن السفينة السياحية الهولندية «MV Hondius»، وسط مخاوف وتساؤلات واسعة حول طبيعة هذا الفيروس ومدى خطورته وإمكانية تحوّله إلى تهديد عالمي جديد.
الحديث هنا عن «فيروس هانتا»، وهو ليس فيروسًا جديدًا كما يعتقد البعض، بل مجموعة من الفيروسات المعروفة منذ عقود، ترتبط بالقوارض بشكل أساسي، ويمكن أن تسبب أمراضًا خطيرة تصيب الرئتين أو الكلى لدى الإنسان، وتصل في بعض الحالات إلى الوفاة.
وتعود تسمية الفيروس إلى نهر «هانتان» في كوريا الجنوبية، حيث جرى التعرف عليه لأول مرة خلال سبعينيات القرن الماضي، بعد إصابة جنود بأعراض نزفية حادة خلال الحرب الكورية، قبل أن تتوسع الدراسات لاحقًا لتكشف وجود عشرات السلالات المختلفة منه حول العالم، ترتبط كل واحدة منها غالبًا بنوع محدد من القوارض.
وبحسب منظمة الصحة العالمية ومراكز السيطرة على الأمراض الأمريكية (CDC)، فإن فيروس هانتا ينتقل غالبًا عبر استنشاق الهواء الملوث ببول أو براز أو لعاب القوارض المصابة، خصوصًا أثناء تنظيف الأماكن المغلقة أو المخازن أو البيئات التي تنتشر فيها الفئران، كما يمكن أن ينتقل عبر لمس الأسطح الملوثة أو تناول طعام ملوث بإفرازات القوارض، بينما تبقى حالات انتقاله بين البشر نادرة جدًا.
لكن ما أعاد الفيروس إلى واجهة الاهتمام العالمي هذه المرة، أن السلالة المرتبطة بحادثة السفينة السياحية كانت «فيروس أنديز»، وهي واحدة من السلالات القليلة المعروفة بقدرتها المحدودة على الانتقال بين البشر، خصوصًا عند المخالطة القريبة والمطولة، وهو ما دفع السلطات الصحية في عدة دول إلى تنفيذ عمليات تتبع ومراقبة واسعة للركاب والمخالطين.
وتشير المعلومات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن السفينة كانت تقل ركابًا من جنسيات متعددة خلال رحلة استكشافية انطلقت من أمريكا الجنوبية مرورًا بأنتاركتيكا، قبل أن تظهر أعراض غامضة على بعض الركاب، شملت الحمى والإرهاق وآلام العضلات والصداع والإسهال، ثم تطورت لدى بعض الحالات إلى ضيق تنفس حاد وفشل رئوي أدى إلى تسجيل وفيات.
ورغم القلق الذي أثارته الحادثة، أكدت منظمة الصحة العالمية أن الخطر العالمي لا يزال منخفضًا، مشيرة إلى أن فيروس هانتا لا ينتشر بسهولة مثل فيروسات الجهاز التنفسي المعروفة، وأن انتقاله بين البشر يظل محدودًا ونادرًا للغاية.
ويختلف فيروس هانتا من حيث التأثيرات الصحية بحسب السلالة والمنطقة الجغرافية، ففي الأمريكتين يرتبط غالبًا بما يعرف بـ«متلازمة هانتا الرئوية»، وهي حالة خطيرة تؤدي إلى امتلاء الرئتين بالسوائل وصعوبة حادة في التنفس، بينما ترتبط بعض السلالات المنتشرة في آسيا وأوروبا بحمى نزفية تؤثر في الكلى والدورة الدموية.
وتبدأ أعراض المرض عادة بصورة تشبه الإنفلونزا، من خلال الحمى وآلام العضلات والتعب الشديد والغثيان والصداع، قبل أن تتطور لدى بعض المصابين إلى أعراض أكثر خطورة، مثل ضيق التنفس الحاد أو انخفاض ضغط الدم أو الفشل الكلوي، وهو ما يجعل التشخيص المبكر والتدخل الطبي السريع عاملًا مهمًا في رفع فرص النجاة.
وحتى الآن، لا يوجد علاج نوعي مباشر يقضي على الفيروس، كما لا يوجد لقاح عالمي معتمد على نطاق واسع، إذ يعتمد العلاج بشكل أساسي على الرعاية الطبية الداعمة، مثل أجهزة التنفس الصناعي، والأكسجين، ومراقبة وظائف القلب والرئتين والكلى، فيما تواصل عدة دول ومراكز بحثية العمل على تطوير لقاحات وعلاجات محتملة.
وفي خضم هذا الاهتمام العالمي المتجدد، تبقى الوقاية هي خط الدفاع الأهم، من خلال مكافحة القوارض، وتهوية الأماكن المغلقة، واستخدام وسائل الحماية أثناء تنظيف المواقع الملوثة، وعدم التعامل المباشر مع فضلات الفئران أو الحيوانات البرية دون احتياطات صحية مناسبة.
وبين المخاوف التي أعادت إلى الأذهان سنوات الوباء العالمي، والتطمينات الصادرة عن الجهات الصحية الدولية، يبقى «فيروس هانتا» مثالًا جديدًا على أن العالم لا يزال يواجه تحديات مستمرة مع الأمراض المعدية، وأن اليقظة الصحية لم تعد خيارًا، بل ضرورة دائمة في عالم مفتوح ومتصل على مدار الساعة.





























