الصحوة : علي الحداد
من أعالي جبال بامير، حيث تتكئ الثلوج على قممٍ تبدو أقرب إلى السماء منها إلى الأرض، إلى سواحل عُمان التي تعلّمت عبر قرونٍ طويلة كيف تُصادق البحار وتقرأ لغات الرياح القادمة من الجهات البعيدة، تتشكل اليوم صفحة جديدة في العلاقات بين سلطنة عُمان وجمهورية طاجيكستان.
وفي ترجمةٍ عملية لهذا التقارب، تسلّم معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية نسخة أوراق اعتماد سعادة الدكتور زبيد الله نجات زبيدزاده، أول سفير مقيم لجمهورية طاجيكستان لدى سلطنة عُمان، لتبدأ بذلك محطة جديدة في مسار العلاقة بين البلدين.
وفي قلب هذا المشهد الدبلوماسي، استقبل معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية، سعادة السفير الطاجيكي بكلمات ترحيب حملت ما يليق ببداية هذه المرحلة، متمنيًا له التوفيق في أداء مهامه، وللعلاقات بين البلدين الصديقين مزيدًا من التطور والتقدم. ولم يكن ذلك الترحيب مجرد تقليد دبلوماسي معتاد، إنما انعكاسًا لمسارٍ من التقارب أخذ يتسع خلال السنوات الأخيرة، حتى بلغ مرحلة أصبح معها افتتاح سفارة طاجيكستان في مسقط وتعيين أول سفير مقيم على أرض السلطنة تعبيرًا عن علاقةٍ انتقلت من التواصل المتبادل إلى حضورٍ أكثر رسوخًا واتساعًا.
وكان من الطبيعي أن تصل هذه العلاقة إلى مثل هذه المحطة بعد أعوامٍ من العمل الدبلوماسي الذي قاده معالي السيد البدر بن حمد البوسعيدي نحو فضاءات آسيا الوسطى، حيث ظلت عُمان تنظر إلى تلك الجغرافيا البعيدة بوصفها مساحةً رحبة للتعاون والشراكة لا مجرد امتدادٍ يقع خلف سلاسل الجبال والسهوب. ومن هذا الإدراك أخذت العلاقات العُمانية الطاجيكية تتقدم بخطوات متزنة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، حتى غدا افتتاح السفارة المقيمة نتيجةً طبيعية لمسارٍ عرف كيف ينمو بثبات ويؤسس لبناءٍ يتسع عامًا بعد آخر.
ولعل ما يلفت الانتباه في مسار العلاقة بين مسقط ودوشنبه أنها نشأت بعيدًا عن إكراهات الجغرافيا وقرب الحدود. فلا بحر يجمع البلدين، ولا طرق تاريخية مباشرة تصل بينهما، ومع ذلك مضت العلاقة في نموها الواثق مستندةً إلى الاحترام المتبادل، وإلى رؤية متقاربة لدور الاستقرار في ازدهار الدول، وإلى قناعة مشتركة بأن الحوار يظل الطريق الأقصر نحو بناء المصالح وتعزيز التفاهم بين الشعوب.
وفي بلادٍ تتدفق من جبالها أنهارٌ تشق طريقها بين الصخور والوديان قبل أن تواصل رحلتها عبر آسيا الوسطى، بنت طاجيكستان جزءًا من هويتها الحديثة على الماء والطاقة والانفتاح على محيطها. ومن هناك، من تلك الجغرافيا التي تحفظ الثلج في قممها والمياه في أوديتها، تتجه اليوم نحو مسقط التي حفظت للبحر مكانته في وجدانها، كما حفظت للمرافئ دورها التاريخي في لقاء الأمم وتبادل المنافع والأفكار.
ويأتي اختيار السفير الدكتور زبيد الله زبيدزاده لهذه المهمة ليضيف إلى هذه المرحلة خبرةً دبلوماسية واسعة تراكمت عبر سنوات طويلة من العمل في عدد من العواصم العربية والإسلامية، كان خلالها أحد الوجوه المعروفة في الدبلوماسية الطاجيكية، وأسهم في تعزيز حضور بلاده وعلاقاتها الخارجية، وهو ما يمنح مهمة افتتاح أول سفارة مقيمة لبلاده في سلطنة عُمان بعدًا يتجاوز التمثيل الرسمي إلى توثيق أواصر التقارب بين الجانبين.
ومن هنا تبدو العلاقة بين البلدين وكأنها التقاء مسارين متكاملين، أحدهما ينحدر من أعالي القارة محمّلًا بموارد المياه والطاقة وفرص النمو، والآخر ينفتح على البحار والمحيطات بخبرةٍ عُمانية تراكمت عبر التاريخ. وبين المسارين تتشكل مساحة جديدة للتعاون، تتجاوز الحسابات الضيقة إلى آفاق أرحب من الشراكة والتواصل.
وربما لم يكن بين بامير وبحر عُمان طريقٌ قديم يصل بينهما، لكن الدبلوماسية فعلت ما عجزت عنه الجغرافيا طويلًا. فهناك، عند نهاية الجبل وبداية البحر، تفتح طاجيكستان اليوم نافذتها الدبلوماسية الأولى على مسقط، وتفتح مسقط بدورها بابًا جديدًا نحو قلب آسيا الوسطى. وبين النافذة والباب حكاية علاقةٍ تتقدم بهدوء وثقة، لا تصنعها المصادفات، بل تبنيها الرؤى البعيدة والإرادات التي تعرف جيدًا أين تضع بوصلتها.




























