الصحوة – علي الحداد
في الجبل الأخضر، حيث ترتفع القرى نحو السماء وتختزن الصخور ذاكرة قرونٍ طويلة، لم تكن جولة معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية ومعالي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت، زيارةً لمعالم تاريخية وسياحية فقط، بل كانت رحلةً في روح المكان العُماني، ذلك المكان الذي صاغته الطبيعة بحكمة، وحفظه الإنسان بالعناية، حتى غدا شاهداً على تعاقب الأزمنة وثبات الهوية.
ففي السوجرة، القرية التي تجاوز عمرها خمسة قرون، بدا التاريخ حاضراً في تفاصيل الحجر والممرات والبيوت المعلقة على سفوح الجبال، وكأنها تروي للأجيال كيف استطاع العُماني أن يجعل من الجبل وطناً، ومن العزلة عمراناً، ومن البساطة جمالاً لا يشيخ. وفي بركة الموز، تلك التي تشكل واحدة من أجمل ملامح المشهد في محافظة الداخلية، حيث تتجاور الواحات والنخيل والماء في لوحةٍ نسجتها الطبيعة وأكملتها يد الإنسان، تنساب مياه فلج الخطمين كما انسابت الحياة في هذه الأرض عبر القرون، لتتجلى عبقرية الإنسان العُماني وهو ينسج علاقةً فريدة بين الأرض والماء والزراعة والعمران. وكأن الجبل الأخضر كان يبادل بحر الكويت التحية، هذا يروي حكاية الحجر، وذاك يروي حكاية الموج، وبين الروايتين مضت عقودٌ من القرب حتى غدت الجغرافيا أخوّة، والتاريخ صلة، والذكريات جسراً لا تنال منه المسافات.
ولم يكن المرور على حصن بيت الرديدة والأفلاج والواحات مجرد تأملٍ في معالم أثرية، بل وقوفاً أمام صفحاتٍ من حضارةٍ عرفت كيف تبني وتزرع وتحمي وتورث تجربتها للأجيال دون أن تفقد أصالتها. فهذه الشواهد ليست بقايا من الماضي، بل جذورٌ ما زالت تمد الحاضر بقيم البقاء والازدهار.
ثم جاءت محطة دار أمواج للعطور لتضيف بعداً آخر للحكاية، فهنا لا تُصنع العطور بوصفها منتجاً فاخراً، بل بوصفها سرديةً تُقطّر من ذاكرة المكان. فمن عبق اللبان، ونفحات الجبل، وأصداء البحر، تنسج أمواج هويتها الخاصة، مستلهمةً من البيئة العُمانية عناصرها ومن ثقافتها روحها. وكأن هذه الدار أرادت أن تقدم لضيفها الكريم وجهاً آخر لعُمان، وجهاً لا يُقرأ في الكتب ولا يُشاهد في الحصون والقرى وحدها، بل يُحفظ في الذاكرة عبر أثرٍ شفيف يرافق الروح كما يرافق العطر صاحبه.
وكان للمشهد كله معنى أعمق مع احتفاء البلدين بمرور خمسة وخمسين عاماً على العلاقات الدبلوماسية العُمانية الكويتية في العصر الحديث. فبين الجبل الذي يرمز إلى الرسوخ، والفلج الذي يرمز إلى الاستمرار، والعطر الذي يرمز إلى الأثر الباقي، بدت العلاقة بين عُمان والكويت أشبه بسرديةٍ ممتدة لا تُقاس بعدد السنوات، بل بما تراكم فيها من احترامٍ متبادل، وتقاربٍ في الرؤى، وصدقٍ في المواقف، وإيمانٍ راسخ بأن ما يجمع الشعبين أعمق من حدود الجغرافيا وأبقى من تقلبات الأزمنة.
ولهذا لم تكن الجولة مجرد تنقلٍ بين مواقع ومعالم، إنما حواراً هادئاً بين التاريخ والدبلوماسية، وبين ذاكرة المكان وآفاق المستقبل. فلم يكن معالي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح ضيفاً على المعالم التاريخية وحدها، بل ضيفاً على الذاكرة العُمانية بكل ما تختزنه من حكاياتٍ وتجارب وصورٍ صنعتها القرون، لتؤكد أن ما يبقى في عمر الأوطان هو الأثر الهادئ الذي يصنعه التاريخ حين يلتقي بالإنسان، وتبقى ملامحه حيةً في الوجدان مهما تعاقبت الأعوام وتبدلت الفصول.



























