الصحوة – علي الحداد
في المنامة، لم تكن القاعات التي احتضنت وزراء خارجية دول مجلس التعاون تعج بالحضور، بل كانت تحتضن صورةً أخرى للخليج وهو يواصل كتابة فصوله السياسية بثقةٍ راكمتها الخبرة السياسية. فحين اجتمع أصحاب السمو والمعالي تحت سقفٍ واحد، بدا المشهد أبعد من كونه استحقاقاً دورياً على جدول العمل الخليجي، وأقرب إلى تأكيدٍ متجدد بأن هذه المنظومة التي نشأت على ضفاف الخليج العربي ما زالت قادرة على تجديد أدواتها وتعزيز تماسكها كلما ازدادت المنطقة تعقيداً وتشابكت حولها التحولات.
وجاء لقاء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بمملكة البحرين، بمعالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي وزير الخارجية وأصحاب السمو والمعالي وزراء الخارجية، ليعكس جوهر الفكرة الخليجية في أنقى صورها، فكرة تقوم على أن المصالح المشتركة لا تُصان بالاتفاقات فقط، بل بإرادةٍ سياسية تدرك أن استقرار كل دولة هو امتداد لاستقرار جيرانها، وأن ما يجمع دول المجلس أكبر من حدود الجغرافيا وأوسع من مقتضيات اللحظة. وفي هذا السياق، حمل معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير الخارجية، تحيات حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم إلى أخيه حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، في دلالةٍ تختصر ما بلغته العلاقات الخليجية من نضجٍ سياسي وتفاهمٍ راسخ، حيث تتقدم الرؤية المشتركة على تباعد المسافات، وتلتقي إرادات البناء والتنمية عند غايةٍ واحدة قوامها استقرار المنطقة وازدهار شعوبها. لذلك ظل التضامن الخليجي على الدوام أحد أهم عناصر القوة في المنطقة، لأنه يستند إلى وعيٍ جماعي بأن المستقبل يُبنى بالشراكة والتكامل وتوحيد الجهود، كما يستند إلى رصيدٍ متين من العلاقات الأخوية التي عززت عبر السنين قدرة دول الخليج على العمل بإرادةٍ متماسكة في مواجهة التحديات وتوسيع آفاق العمل المشترك.
وفي هذا المشهد الخليجي الجامع، ترأس معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير الخارجية، وفد سلطنة عُمان إلى أعمال الدورة السابعة والستين بعد المائة للمجلس الوزاري، التي عُقدت برئاسة معالي الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني وزير خارجية مملكة البحرين، وبحضور معالي جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، حاملاً حضور سلطنة عُمان ورؤيتها القائمة على ترسيخ العمل المشترك وتعزيز مسارات التفاهم والتكامل. ومن داخل قاعة المجلس، تجددت صورة مجلس التعاون بوصفه مشروعاً سياسياً وتنموياً متراكماً، لا يكتفي بمتابعة المتغيرات، بل يواصل بناء ركائز المستقبل الخليجي عبر منظومة متنامية من المبادرات والبرامج والقرارات المشتركة. فمن خلف ما تحقق من إنجازات وما يُرسم من خططٍ للمرحلة المقبلة، تتشكل شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والتنموية والأمنية التي جعلت من التجربة الخليجية واحدة من أكثر التجارب الإقليمية رسوخاً وقدرةً على التطور ومواكبة المتغيرات.
ولأن الخليج جزءٌ أصيل من محيطه الإقليمي، فقد حضرت التطورات المتسارعة في المنطقة على طاولة النقاش، وفي مقدمتها التداعيات التي فرضتها الحرب الإسرائيلية الأمريكية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وما أفرزته من تحديات وانعكاسات تمس أمن المنطقة واستقرارها. غير أن اللافت في الموقف الخليجي كان تمسكه بلغة الاتزان والمسؤولية، انطلاقاً من قناعةٍ راسخة بأن أمن المنطقة لا يتحقق باتساع دوائر المواجهة، إنما بتغليب الحكمة السياسية وفتح المسارات الدبلوماسية القادرة على احتواء الأزمات ومعالجة أسبابها. ومن هذا المنطلق، أكد المجلس أهمية الوقف الفوري للتصعيد وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية الهادفة إلى احتواء الأزمة وتهيئة الظروف اللازمة للحلول السلمية، بما يحفظ أمن المنطقة ويصون مصالح دولها وشعوبها. فدول المجلس تدرك أن استقرار الإقليم مصلحة مشتركة، وأن الحوار يظل الطريق الأقدر على حماية المكتسبات وتجنب المزيد من التوتر، وأن ما تحتاجه المنطقة اليوم هو مساحات أوسع للتفاهم لا ساحات إضافية للمواجهة.
ولم تتوقف مداولات المنامة عند حدود الملفات الخليجية والإقليمية، بل امتدت إلى دوائر أوسع من الحوار والشراكة الدولية. فمجلس التعاون الذي انشغل بتحديات محيطه المباشر، واصل في اللحظة نفسها بناء جسورٍ مع العالم، مدركاً أن قوة الحاضر لا تكتمل إلا بشراكات المستقبل. ومن هنا جاء الاجتماع الوزاري الخليجي الكندي الثالث للحوار الاستراتيجي، تعبيراً عن رؤية خليجية تنظر إلى التعاون الدولي بوصفه استثماراً في المعرفة والاقتصاد والابتكار، بقدر ما هو تعزيزٌ لمصالح الشعوب وازدهارها. وفي هذا السياق، برزت مجالات التعاون العلمي والثقافي وتبادل الخبرات وتحفيز فرص النمو بوصفها امتداداً طبيعياً لمسيرة خليجية لا تكتفي بحماية منجزاتها، بل تعمل على توسيع آفاقها وترسيخ حضورها في المشهد الدولي كشريكٍ فاعل ومؤثر.
وبالتزامن مع أعمال الاجتماع الوزاري الخليجي الكندي الثالث للحوار الاستراتيجي، عقد معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير الخارجية، لقاءً ثنائياً مع معالي أنيتا إنديرا أناند، وزيرة خارجية كندا، عكس ما تشهده علاقات الصداقة والتعاون بين سلطنة عُمان وكندا من تطورٍ متواصل، ورغبةٍ مشتركة في البناء على نتائج زيارة الوزيرة الكندية إلى مسقط خلال شهر أبريل الماضي، ولا سيما ما يتصل بتعزيز الشراكة الاقتصادية والعلمية وتبادل الخبرات والترويج للفرص الاستثمارية والسياحية بين البلدين. غير أن أهمية اللقاء لم تتوقف عند حدود العلاقات الثنائية، إذ تناول الجانبان تطورات الأوضاع في المنطقة وفرص تحقيق السلام عبر معالجة التحديات القائمة وتداعيات أعمال العنف والتصعيد. وأكد معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، عقب الاجتماع، تطابق الرؤيتين العُمانية والكندية بشأن أهمية تكثيف الجهود الدبلوماسية وحث مختلف الأطراف على التوصل إلى تفاهماتٍ عملية ومنصفة وقابلة للتنفيذ، في سبيل إعادة الاستقرار إلى مساراته الطبيعية، بما يضمن سلامة وحرية الملاحة والممرات البحرية واستمرار انسياب سلاسل الإمداد المرتبطة باقتصادات المنطقة والعالم. كما جدد معاليه التأكيد على ثبات السياسة العُمانية المعروفة عبر تاريخها في دعم علاقات حسن الجوار والتعايش السلمي والالتزام بالقانون الدولي وما يرتبط به من اتفاقيات ومواثيق ثنائية ودولية ومتعددة الأطراف، بوصفها مرتكزاتٍ راسخة توجه الدبلوماسية العُمانية في مختلف الظروف والمتغيرات.
وهكذا بدت المنامة في ذلك اليوم أكثر من عاصمةٍ تستضيف سلسلة اجتماعات دبلوماسية، بدت مساحةً التقت فيها الإرادة الخليجية مع مسؤولياتها الإقليمية وشراكاتها الدولية في وقتٍ واحد. وفي قلب هذا المشهد، واصلت سلطنة عُمان حضورها المعهود، مستندةً إلى نهجٍ ثابت يؤمن بأن بناء الاستقرار لا يكون برفع درجات التوتر، بل بتوسيع دوائر التفاهم، وأن قوة الدبلوماسية الحقيقية تُقاس بقدرتها على تقريب المسافات وفتح الأبواب التي تعبر منها الشعوب نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً.




























