الصحوة – ظافر بن عبدالله الحارثي
في التجربة العُمانية، لم تكن الثقة الوطنية حدثًا سياسيًا عابرًا، بل مسارًا تاريخيًا تراكمت لبناته بهدوء عبر عقود. فقد تشكلت في ظل ثقافة اجتماعية تؤمن بالتوازن، ودولة جعلت الاعتدال منهجًا، ومجتمع أدرك أن الاستقرار ليس حالة جامدة، بل فرصة مستمرة للبناء.
ولهذا ظلت عُمان، في محيط كثير الاضطراب، تحافظ على قدرتها على التماسك. لم يكن السر في الجغرافيا، ولا في عدد السكان، ولا في حجم الموارد وحدها، بل في وجود خيط غير مرئي يربط الدولة بالمجتمع، ويمنح الجميع شعورًا بأن الوطن ليس ساحة مصالح متعارضة، بل مشروعًا مشتركًا.
غير أن أخطر ما يواجه الثقة أنها لا تنهار دفعة واحدة، بل إنها تتآكل بصمت؛ تتآكل عندما تصبح الإشاعة أسرع من الحقيقة، وعندما يسبق الانفعال التحقق، وعندما تتحول المنصات الرقمية إلى ساحات لإنتاج الشك أكثر من إنتاج المعرفة.
ولهذا فإن حماية الثقة الوطنية أصبحت واحدة من أهم مسؤوليات هذا العصر. فالدفاع عن الأوطان لم يعد يقتصر على الحدود، بل يمتد إلى حماية الوعي العام من العبث، وحماية الحقيقة من التشويه، وحماية التماسك المجتمعي من الاستنزاف البطيء.
إن الأوطان لا تسقط حين تفتقر إلى الموارد، بل حين تفتقر إلى المعنى الذي يجمع أبناءها حول هدف واحد، والثقة هي ذلك المعنى.
الثقة هي عقد غير مكتوب تجعل المجموعة يؤمنون بأن المستقبل يستحق العمل من أجله، وأن الاختلاف لا يلغي الشراكة، وأن النقد لا ينفي الانتماء، وأن الوطن أكبر من لحظة، وأبقى من جيل، وأوسع من مصلحة؛ فالثقة، في نهاية المطاف، ليست مجرد قيمة وطنية، إنها قدرات الدولة وهي في صورتها غير المرئية.




























