الصحوة – علي الحداد
في قصر البركة العامر، استهلّ حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ اجتماع مجلس الوزراء بالحمد لله تعالى على نعمه الظاهرة والباطنة، والدعاء بأن يديم على عُمان وأهلها الأمن والاستقرار والرخاء. ولم يكن ذلك الدعاء افتتاحاً لاجتماعٍ حكومي، بل بدا وكأنه مفتاح المشهد كله، فالأمن الذي دُعي له في مستهل الجلسة كان حاضراً في تفاصيل ما نوقش داخلها، وحاضراً كذلك في الأحداث التي كانت تتشكل خارج الحدود.
وبين أروقة الدولة ومسارات الإقليم وآفاق العالم، كانت ثلاثة مسارات مختلفة تتجه نحو معنى واحد. ففي الداخل كانت الدولة تواصل بناء الإنسان، وفي الإقليم كانت الدبلوماسية تفسح المجال لعودة السلام إلى طاولة الحوار، وفي العالم كانت خطة مسقط تحمل رسالة التفاهم والكرامة الإنسانية إلى آفاقٍ أوسع. ثلاثة مسارات بدت متباعدة في ظاهرها، لكنها اجتمعت عند رؤيةٍ واحدة جعلت الإنسان غاية التنمية، والاستقرار شرط الازدهار، والحوار الطريق الأقصر إلى المستقبل.
ففي الداخل كانت الدولة ترسم صورة الإنسان الذي تريده عُمان لمستقبلها، امرأة تُفتح أمامها آفاق أوسع للمشاركة في العمل الوطني، وشباب تُفتح أمامهم آفاق الفرص والعمل، وأطفال يُصان وعيهم في عالمٍ رقمي متسارع، ومؤسسات تسعى إلى أداء أكثر كفاءة وجودة. ولم تكن تلك الملفات موضوعاتٍ متفرقة على جدول الأعمال، بل كانت روافد تصب في نهرٍ واحد، نهر الإنسان العُماني الذي تضعه الدولة في قلب مشروعها الوطني، وتجعله الغاية من التنمية والثمرة التي تتجه إليها الجهود والسياسات.
وحول هذا الإنسان كانت الدولة تمد دوائر حمايتها ومسؤوليتها، أمنٌ تصونه الأجهزة العسكرية والأمنية بجاهزيةٍ لا تغفل، وملاحةٌ بحرية تؤكد عُمان التزامها بسلامتها وحرية عبورها وفق القانون الدولي، ومؤسساتٌ تُقاس كفاءتها وتُطوّر أدواتها في ضوء مستهدفات رؤية عُمان 2040، وأمنٌ سيبراني يُنظر إليه بوصفه حصناً جديداً من حصون الدولة الحديثة. وهكذا لم يكن الاجتماع منشغلاً بالحاضر وحده، بل كان يقرأ المستقبل من جهاته كلها، الإنسان، والمؤسسة، والأمن، والفضاء الرقمي، والموقع البحري الذي ظل جزءاً من قدر عُمان ورسالتها.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن تجتمع هذه المعاني في لحظة واحدة. فخلف صورة الدولة وهي تبني الإنسان، وتقف إلى جانب السلام، وتحمل إلى العالم مشروعاً للتفاهم والكرامة الإنسانية، تمتد رؤيةٌ سياسية رسخها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ ، رؤية تجعل الإنسان غاية التنمية، والاستقرار شرط الازدهار، والحوار الطريق الأقصر إلى المستقبل. ولهذا بدت خيوط المشهد كلها وكأنها تعود إلى منبعٍ واحد، حيث تلتقي حكمة الدولة مع اتساع أفقها الإنساني ودورها الإقليمي والدولي.
وفي الساعات ذاتها تقريباً، كانت المنطقة تستقبل إعلان التوصل إلى تفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد مرحلةٍ من التوتر دفعت الإقليم إلى حافة احتمالات ثقيلة. وبينما انشغلت العواصم بقراءة تفاصيل الاتفاق ومآلاته، كانت هناك حكاية أخرى أقل ظهوراً وأكثر عمقاً، حكاية الطرق الطويلة التي سلكتها السياسة قبل أن تصل إلى هذه اللحظة، وحكاية الخيوط التي بقيت موصولة رغم العواصف التي حاولت قطعها.
فالاتفاقات لا تولد يوم إعلانها، كما لا تبدأ الأنهار عند مصباتها. وما يراه العالم في لحظة التوقيع ليس سوى الثمرة الأخيرة لشجرةٍ نمت طويلاً بعيداً عن الأنظار. وهناك، في المساحات التي لا تصل إليها عدسات الكاميرات، حيث تتعثر الرسائل وتضيق مسافات التفاهم وتبدو الطرق موصدة، كانت الدبلوماسية العُمانية تمارس دورها الذي أتقنته عبر عقود طويلة. لم تكن تبحث عن الأضواء، بل عن الخيط الذي يمنع الحوار من الانقطاع، وعن الممر الذي يسمح للسياسة أن تعود حين تتراجع أمام لغة التصعيد.
ومنذ سنوات طويلة راكمت مسقط خبرة استثنائية في التعامل مع أكثر ملفات المنطقة تعقيداً وحساسية، حتى أصبحت أشبه بربّانٍ يعرف خرائط العواصف كما يعرف خرائط المرافئ. وبين جهود الوسطاء والأصدقاء، وفي مقدمتهم الأشقاء في باكستان ودول الخليج، ظل الحضور العُماني قائماً بما يملكه من معرفة دقيقة بطبيعة العلاقات المتشابكة، وبما راكمه من احترام وثقة لدى مختلف الأطراف. وربما لم يكن غريباً أن تتحرك مسارات التهدئة والحوار في المنطقة اليوم على إيقاعٍ بات مألوفاً في التجربة العُمانية، فالكثير من المبادرات التي تسعى إلى وصل المسافات بين الخصوم تقوم على الفكرة نفسها التي آمنت بها مسقط طويلاً، إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، وتقديم الحوار على القطيعة، والبحث عن مساحات مشتركة حتى في أكثر لحظات الخلاف تعقيداً.
ولعل البحر الذي رافق عُمان عبر تاريخها لم يكن مجرد جغرافيا، بل كان معلماً من معالم شخصيتها. فمنه تعلّمت أن الطرق إلى الموانئ البعيدة لا تُفتح بالقوة وحدها، بل بالصبر ومعرفة الريح وقراءة الأفق. ولهذا جاءت دبلوماسيتها أقرب إلى البحر، واسعةً في اتساعه، هادئةً في ظاهرها، وعميقةً في ما تخفيه من خبرة وتجربة. وكما كانت السفن العُمانية تجمع بين الموانئ البعيدة، كانت الدبلوماسية العُمانية تجمع بين الضفاف المتباعدة، وتحفظ مسارات العبور فوق الخلافات والتوترات.
ولهذا لم يكن ترحيب مجلس الوزراء بالتفاهم الأمريكي الإيراني مجرد موقفٍ سياسي، إنما امتداداً طبيعياً لنهجٍ آمن منذ بداياته بأن الحوار أقل كلفة من الصدام، وأن الاستقرار ليس مكسباً لدولةٍ دون أخرى، بل مصلحة مشتركة تتسع للجميع. ومن هنا جاء الترحيب العُماني بالبناء على هذا المسار بما يعزز أمن المنطقة واستقرارها، لأن عُمان لم تنظر يوماً إلى السلام بوصفه هدنة مؤقتة، بل بوصفه شرطاً لازدهار الإنسان والدولة معاً.
وقبل أن تهدأ أصداء السلام القادم من الإقليم، كان اسم مسقط يشق طريقه نحو العالم من بوابة أخرى. فمن مقر الأمم المتحدة انطلقت خطة مسقط بالشراكة مع الأمم المتحدة وتحالف الأمم المتحدة للحضارات، لتصبح عنواناً أممياً للسلام والتفاهم والكرامة الإنسانية يحمل البصمة العُمانية إلى العالم.
ولم تكن خطة مسقط مجرد مبادرة دولية جديدة، بل بدت وكأنها الوجه الإنساني للتجربة العُمانية نفسها. فإذا كانت الدبلوماسية العُمانية قد أمضت سنوات طويلة تبني الجسور بين الدول، فإن الخطة تسعى إلى بناء الجسور بين الشعوب والثقافات والمجتمعات. وإذا كانت الوساطات السياسية تعمل على إطفاء النزاعات بعد اقترابها، فإن خطة مسقط تعمل على منع أسبابها قبل أن تولد، عبر مواجهة الكراهية وتعزيز التفاهم وترسيخ قيم التعايش والشراكة الإنسانية.
وإذا كانت السفن العُمانية قد حملت عبر القرون التجارة والمعرفة والثقافة إلى الموانئ البعيدة، فإن خطة مسقط تبدو اليوم سفينةً من نوعٍ آخر. سفينة لا تحمل البضائع، بل تحمل إلى العالم قيماً صاغتها التجربة العُمانية عبر الزمن، السلام، والتفاهم، والكرامة الإنسانية. وكأن اسم مسقط غادر هذه المرة شواطئه القديمة لا ليعبر البحار، بل ليعبر إلى ضمير الإنسانية نفسه.
وهناك، عند ملتقى هذه الخيوط جميعاً، بدت مسقط وكأنها تتحدث إلى العالم بثلاث لغات في وقتٍ واحد. في قصر البركة تحدثت بلغة الدولة وهي تبني الإنسان وتحمي مكتسباته وتخطط لمستقبله. وفي الإقليم تحدثت بلغة الدبلوماسية وهي ترحب بعودة الحوار إلى مكانه الطبيعي بعد أن أوشكت لغة المواجهة أن تطغى على كل شيء. وفي الأمم المتحدة تحدثت بلغة الإنسانية وهي تحمل مشروعاً عالمياً للتفاهم والكرامة والسلام. ثلاث لغات مختلفة في ظاهرها، لكنها خرجت من المعجم العُماني نفسه، معجمٍ آمن بأن بناء الإنسان هو الطريق إلى بناء الدولة، وأن وصل المسافات هو الطريق إلى بناء السلام، وأن الكرامة الإنسانية هي الغاية التي تلتقي عندها السياسة والأخلاق والحضارة.
ولهذا لم يكن ما شهدته مسقط مجرد اجتماعٍ لمجلس الوزراء، ولا مجرد اتفاقٍ سياسي، ولا مجرد مبادرة أممية. بل كان مشهداً اجتمعت فيه ملامح النهج العُماني كلها في صورة واحدة، الإنسان في الداخل، والسلام في الإقليم، والتفاهم في العالم.
وهكذا تجلّت مسقط كما عرفتها القرون؛ مدينةً تبني الإنسان في قصر البركة، وتحفظ مسارات الحوار في الإقليم، وترسل سفينتها الإنسانية إلى العالم. وبين اليابسة التي شُيّدت عليها الدولة، والبحر الذي صاغ جزءاً من شخصيتها، ظل النهج العُماني ماضياً في طريقه الهادئ؛ لا يبحث عن الضجيج، بل عن الأثر، ولا يطارد اللحظة العابرة، بل يبني ما يبقى بعدها. ففي عُمان لا تكون الحكمة شعاراً يُقال، بل مساراً يُرسم، وطريقاً يُسلك، ورسالةً تمضي إلى العالم من بناء الإنسان إلى بناء السلام.



























