حصريٌّ لـ«الصحوة» – دعا معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية، إلى إعادة النظر في الأسس التي قامت عليها المنظومة الأمنية في منطقة الخليج طوال العقود الماضية، معتبرًا أن الحرب الأخيرة على إيران كشفت أن سياسة «الاحتواء» التي سادت منذ عام 1979 لم تحقق الأمن المنشود، بل أثبتت أنها «مجرد وهم». وأكد أن المرحلة المقبلة تستدعي بناء منظومة أمنية أكثر واقعية وشمولًا، تقوم على مشاركة جميع دول المنطقة، بدلًا من سياسات الإقصاء.
وجاء ذلك في مقال نشره معاليه في صحيفة «لوموند» الفرنسية -اطلعت عليه «الصحوة»، تناول فيه تداعيات الحرب الأخيرة، ورؤيته لمستقبل الأمن الإقليمي، مؤكدًا أن شعوب دول الخليج تعيش اليوم آثار حرب «لم يكن ينبغي لها أن تقع أصلًا»، وأن تطلعها الأكبر يتمثل في الوصول إلى نهاية حقيقية للصراع القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا مجرد توقف مؤقت للقتال.
وأشار وزير الخارجية إلى أنه، رغم استمرار احتمالات تجدد المواجهات، فإن المرحلة الراهنة تستوجب استخلاص الدروس والتطلع إلى المستقبل بدلًا من الانشغال بأخطاء الماضي، معتبرًا أن الأولوية العاجلة تتمثل في التوصل إلى إطار دائم يضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز.
▪️أولوية لضمان حرية الملاحة
وأوضح البوسعيدي أن سلطنة عُمان تتحمل مسؤولية خاصة في هذا الملف، بوصفها إحدى الدولتين اللتين تطلان بمياههما الإقليمية على مضيق هرمز، الأمر الذي يحتم عليها العمل مع إيران، باعتبارها الدولة الأخرى المشاطئة للمضيق، ومع المجتمع الدولي، للوصول إلى آلية واقعية ومستدامة ومتوافقة مع القانون الدولي تكفل صون حرية الملاحة في هذا الممر البحري الحيوي.
وأكد أن نجاح هذه المشاورات يمثل ضرورة للاقتصاد العالمي، لأن حرية الملاحة في مضيق هرمز تعد أحد المرتكزات الأساسية للتجارة الدولية، مشيدًا في الوقت ذاته بالدور الذي قامت به فرنسا في هذا السياق، مع التأكيد على أن مستقبل أمن المنطقة لا ينبغي أن يقتصر على معالجة ملف المضيق وحده، بل يتطلب مراجعة أشمل للمنظومة الاستراتيجية في الخليج.
▪️«الاحتواء» لم يحقق الأمن
وفي معرض تقييمه للعقيدة الأمنية التي سادت المنطقة منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، رأى وزير الخارجية أن سياسة «الاحتواء» قامت على فرضية اعتبار إيران تهديدًا وجوديًا لأمن الخليج، وهو افتراض وصفه بأنه كان خاطئًا منذ البداية.
وأضاف أن المنطقة شهدت خلال العقود الماضية إنفاقًا عسكريًا ضخمًا، وتوسعًا في القواعد العسكرية الأمريكية، واستمرارًا لمفهوم الحماية العسكرية عن بُعد، إلا أن هذه الجهود، رغم كلفتها الباهظة، لم تحقق فائدة حقيقية.
وقال إن الحرب الأخيرة كشفت بوضوح أن سياسة الاحتواء «لم تكن سوى وهم»، مشيرًا إلى أن هذه الحقيقة أصبحت موضع إدراك حتى لدى من كانوا يرون، حتى وقت قريب، أن استمرار هذه السياسة لأكثر من خمسة وأربعين عامًا كان ضرورة لا مفر منها.
▪️إعادة بناء المنظومة الأمنية
ورأى البوسعيدي أن أخطر التهديدات التي تواجه أمن الخليج لا تنبع من داخل المنطقة، وإنما من قرارات تُتخذ خارجها، وفي مقدمتها تلك الصادرة من تل أبيب، معتبرًا أن هذا الواقع يفرض إعادة التفكير في مجمل البنية الأمنية الإقليمية.
وأشار إلى أن أي منظومة أمنية جديدة ينبغي أن تشمل جميع الدول المطلة على الخليج، وهي سلطنة عُمان، والمملكة العربية السعودية، ومملكة البحرين، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة الكويت، ودولة قطر، إضافة إلى إيران والعراق، مؤكدًا أن جميع هذه الدول تمتلك مصالح حيوية ومسؤوليات مشتركة تجاه هذا الفضاء الاستراتيجي، ولذلك لا يجوز استبعاد أي منها من ترتيبات الأمن المستقبلية.
كما أشار إلى أن فرنسا تحلت بالحكمة عندما امتنعت عن المشاركة في التدخل العسكري في العراق عام 2003.
وأكد أن بناء منظومة جديدة سيتطلب نقاشات جادة ومعالجة قضايا حساسة، إلى جانب مراجعة بعض المسلمات التي ورثتها المنطقة خلال العقود الماضية، بما يسمح بإقامة شراكات تعزز أمن دول الخليج والمجتمع الدولي، وتحد من مصادر الهشاشة بدلًا من تكريسها.
▪️مراجعة العلاقات مع الشركاء
وفي سياق متصل، دعا وزير الخارجية إلى مراجعة واقعية لطبيعة العلاقات مع الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، موضحًا أن المقصود ليس التشكيك في التحالفات التاريخية، وإنما إعادة التوازن إليها بما يعكس الحقائق الاستراتيجية التي أفرزتها الحرب الأخيرة.
وتساءل: إذا أصبحت الشمولية، بدلًا من الاحتواء، هي الأساس الجديد للتعاون الأمني الإقليمي، فما الدور الذي يمكن أن تؤديه الدول الصديقة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، للإسهام بصورة بناءة في تحقيق هذا الهدف؟
▪️الخليج ومحيطه الاستراتيجي
وأكد البوسعيدي أن أمن الخليج لا يمكن فصله عن محيطه الجغرافي، داعيًا إلى إيلاء اهتمام أكبر للجزء الشمالي الغربي من المحيط الهندي، الذي يضم موانئ وممرات بحرية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالبنية اللوجستية لمنطقة الخليج.
وأشار إلى أن مضيق باب المندب، ومدخل البحر الأحمر، وسواحله، برزت مجددًا بوصفها عناصر استراتيجية أعادت الأزمة الأخيرة المرتبطة بمضيق هرمز تسليط الضوء عليها، مؤكدًا أن إيجاد إطار قانوني وعملي فعّال من شأنه أن يعزز أمن التجارة الدولية ويهيئ الظروف لتحقيق ازدهار مستدام لشعوب هذه المنطقة.
واختتم وزير الخارجية مقاله بالتأكيد على أن الحرب تمثل «كارثة بكل المقاييس»، لافتًا إلى أنها اندلعت من دون تفويض من الأمم المتحدة، ولم تحقق الأهداف التي أعلنت من أجلها. لكنه رأى أن هذه الحرب قد تفتح باب الأمل إذا أسهمت في إنهاء ما وصفه بـ«وهم سياسة الاحتواء»، وإطلاق مسار يقود إلى منظومة أمنية أكثر عدلًا وواقعية وفاعلية، تصحح ما يقارب نصف قرن من الأخطاء الاستراتيجية.





























