الصحوة – الدكتور سالم بن سلمان الشكيلي
لا شك أنّ الحزن والأسى على وفاة المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور طيّب الله ثراه لم ينتهِ ، وذكراه العطرة ستظل محفورة في قلوب وعقول العمانيين إلى ما شاء الله، أما إرثه السياسي والحضاري فستكون نظريات علمية تدرس للأجيال الحاضرة والمستقبلة ليس في عمان فحسب وإنما في أرقى جامعات العالم ، وستُفرد لها مجلدات من البحوث والدراسات العالمية ، يستلهم منها العالم تلك العبقريات المتعمقة في كل جوانب الحياة ، التي استوعبَتْها الشخصية الفذّة والفكر المتمايز لدى السلطان الفقيد .
أما إنجازات عهده الزاهر فهي ناطقة بالصدق والحقيقة ، شاهدة بالحق الدامغ ، حافظة للعهد المتين ، حاملة للحب والشكر والثناء والعرفان الراسخ ، لمن نذر نفسه لخدمة وطنه وشعبه ، حتى وافاه الأجل المحتوم الذي لا يُخطيء أحداً ، ولا يتقدم أو يتأخر ساعة من زمن ، فكله مكتوب في اللوح المحفوظ . ” فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون ” .
ومع كل هذا فإنّ جلالة السلطان قابوس طيب الله ثراه ، كان يعمل ويمارس شؤون الحكم ورعاية مصالح الأمة وهو في مرضه العضال ، ويقابل رؤساء الدول وكافة السياسيين ويبذل جهوداً من أجل تحقيق السلام في المنطقة ، لحرْصِه على استتباب الأمن والأمان والاستقرار ، فارسٌ لم يهزمه المرض أو يقعده عن مواصلة مسؤولياته الوطنية ، حتى ترجّل ذلك الفارس المغوار عن صهوة جواده ، بعد أن أدّى الأمانة كاملة ، ليس في حق عمان والعمانيين فحسب ، بل وفِي حق العالم والإنسانية جمعاء ، فليس غريباً أن يبكيه الكون بمختلف عناصره ، الإنسان والمناخ والبيئة واليتامى والثكالى والمنكوبين والحيوان والنبات ، فلكلٍّ له يدٌ بيضاء امتدّت كرماً وحنواً من لدن جلالته رحمه الله .
وبعهدنا وبشهادةٍ من وسائل إعلاميّة عالمية ، ذكرت في مناسبات عدة أنّ الراحل رحمه الله ، كان لا ينام إلا ساعات محدودة من الليل فيما جُل وقته يقضيه ساهراً للعمل من أجل مصلحة الوطن والمواطن ، وكان يحمل هموم كل المهمومين ، ويشغل باله الإنسان – كل إنسان – في أي مكان وفي أي زاوية أو جبل أو سهل ، في كل بقعة من عُمان ، كان يحسّ بالمواطن أكثر من إحساس المواطن بنفسه ؛ لذا كان الحبّ جارفاً ، وفَقْده كان مصابً جَلَلًا ، ولنستحضر في هذا المقام الجولات التفقدية السريّة التي يقوم بها في آخر الليل والناس نيام ليتأكد بنفسه ، كما ذكر ذلك الأستاذ أحمد الجار الله ” رئيس تحرير صحيفة السياسة الكويتية ، والتي كشفها جلالته في أحد لقاءاته النادرة ، قائلاً : ” لأتأكد بأنّ كل شئ يسير على ما يرام ” ،
كان محبًا للعمل والإنجاز والسهر على خدمة وطنه وشعبه.
وإذا كان الحزن والأسى أمراً طبيعياَ ، على فَقْد الحبيب والمحب ، فإنّ سير الحياة بقوانينها ونواميسها التي خلقها الله عليها أيضأ أمرٌ طبيعيٌ ، لا تتوقف حتى قيام الساعة ، ولقد مات أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاثة هم القاسم الذي يكنّى الرسول باسمه ، فيقال أبوالقاسم ، وعبدالله الملقب بالطيب والطاهر ، وإبراهيم الذي مات رضيعاً ، فحزن عليهم الرسول الأب أشد الحزن ، لكنه لم يتوقف عن تبليغ رسالته فكان صابراً محتسباَ عند الله عز وجل ، ولنا في رسول الله أسوة حسنة ، ولا نقول إلّا ما يُرضي ربَّنا ، فإنّ العينَ لتدْمع ، وإن القلب ليحزن ، وإنّا على فراقك يا قابوسُ لمحزونون ، هكذا تعلّمنا من الرسول الكريم في استقبال المصائب والفواجع . فلنتحلّ بالصبر ولنتحسبْ ذلك عند الله الذي بيده مصائر الخلق أجمعين .
وكأني بروح جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور طيب الله تدعونا كعمانيين ، إلى الآتي :-
١- الدعاء له بالمغفرة والرحمة والرضوان من الله سبحانه وتعالى في السر والعلن ، فهذا يريح روحه الطاهرة ، فقد لاقى رباً كريماً غفوراً رحيماً بعباده ، فما بالك بعبد من عباده أفنى كل عمره في أعمال الخير من أجل إسعاد الآخرين ليس في عمان وحدها ، بل في أرجاء المعمورة .
٢- مواصلة العمل الجاد المخلص لتستمر عمان في رقيّها وتطورها دون كلل أو ملل ، حتى ينعم شعبها بالرخاء والازدهار والأمن والأمان والاستقرار ، الذي كان له الفضل بعد الله في ترسيخ دعائمه وتوطيد أركانه ، فبنى دولة عصريّة لا يُشق لها غبار ، وعاش كل أفراد شعبه سعداء كما وعدهم في أول بيان تاريخي وقت توليه مقاليد الحكم في البلاد رحمه الله .
٣- الالتفاف حول جلالة السلطان هيثم بن طارق بن تيمور المعظم حفظه الله واعانه على حمل المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقه ، والإذعان له بالسمع والطاعة كما يحب الله ورسوله ، فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى هذه اللحمة في هذا الوقت العصيب ، فالآمال كثيرة وكبيرة ، والطموحات أكثر وأكبر ، فلا مجال لتخلف رجل واحد عن مواصلة مسيرة النهضة .
٤- العض بالنواجذ على الوحدة الوطنية العمانية فهي خير عاصم لنا ولاستقلال وسيادة عمان وحمايتها من المتطفلين والأشرار والذين في قلوبهم مرض.
وبمناسبة هذا المقال ، تلقيت في الأيام الماضية عن القراءة القانونية للمادة الثامنة من النظام الأساسي للدولة والتي تنص على أن ” تستمر الحكومة في تسيير أعمالها كالمعتاد حتى يتم اختيار السلطان ويقوم بممارسة صلاحياته ” وقراءتي لهذه المادة من الناحية القانونية على الوجه الأتي:-
١- إن الحكومة قبل اختيار السلطان حكومة قانونية لها كامل الصلاحيات
٢- الحكومة بعد اختيار السلطان وممارسة صلاحياته ، تصبح حكومة تصريف أعمال ، ممّا يعني أن جلالة السلطان هيثم بن طارق بن تيمور المعظم حفظه الله ، عهد له النظام الأساسي للدولة بحسب المادة المذكورة بتشكيل حكومة جديدة ، فكلمة حتى هنا ،حرف يدل على الانتهاء ، أي انتهاء اختيار السلطان الجديد وممارسته لصلاحيات الحكم ، كقوله تعالى : ” سلام هي حتي مطلع الفجر ” .
٣- إنّ الكاتب على يقين بأنّ هذا الأمر لم يغبْ أبداً عن بال جلالة السلطان المعظم حفظه الله، ولكنّ أمراً كهذا يحتاج إلى وقت ، هذا من ناحية ، والسلطنة لا زالت في أيام حداد ، فصبراً يا أبناء عمان الأوفياء .
أسأل الله أن يوفق جلالة السلطان هيثم بن طارق بن تيمور المعظم حفظه الله لما خير بلادنا ، وأن يحفظ عمان وشعبها بحفظه ويحرسهما بعينه التي لا تنام ، إنه بالإجابة لجدير ، إنّه نعم المولى ونعم النصير .





























