الصحوة – د. سمير محمود
كما كانت دائمًا على موعد مع التاريخ، فإن سلطنة عُمان بالخطاب الأول لجلالة السلطان هيثم بن طارق ، تثبت أنها على موعد مع الحاضر بعيون مفتوحة على المستقبل، فبعد انقضاء فترة الأربعين يومًا من تنكيس الأعلام حدادًا على وفاة السلطان قابوس بن سعيد رحمه الله، جاءت القرارات الأولى للقيادة العمانية لتعكس الانحياز الواضح للإنسان العماني وتحقيق رفاهيته وتخفيف الأعباء عنه، إذ كان أول قرار يُصدره السلطان هيثم بن طارق ، هو العفو عن عدد من السجناء، وفقًا لصلاحيات القائد الأعلى، ومراعاة للظروف الاجتماعية والصحية لمن شملهم العفو، أما الخطوة الأهم فتخص “المسَرحين من أعمالهم” من العاملين بالقطاع الخاص، ممن عجزوا عن الوفاء بسداد أقساط ما حصلوا عليه من قروض وتسهيلات ائتمانية؛ حيث صدرت توجيهات البنك المركزي العُماني إلى المصارف وشركات التمويل والتأجير التمويلي بوضع آليات واضحة لحصر هؤلاء المُواطنين، ومنحهم فترة سماح تمتد مدتها عامًا كاملًا من تاريخ التوقف عن السداد، وإعادة جدولة ما حصلوا عليه من قروض، وفي هذا تأكيد للعدالة الاجتماعية الناجزة التي تضعها قيادة عمان موضع الاهتمام كأولوية أولى.
وسيذكر التاريخ العماني طويلًا يوم الأحد الموافق 23 من فبراير للعام 2020، حيث الخطاب الأول للسلطان هيثم بن طارق، والذي حفل بالعديد من الدلالات والإشارات والتلميحات، كما نقل لأنباء عمان وللشعوب كافة حزمة من الوعود والتصريحات القاطعة التي فاقت توقعات المراقبين للشأن العماني، وملامح العمل الوطني في السلطنة خلال المرحلة الراهنة.
فبكلمات واضحة قاطعة، يرسم الخطاب ملامح الحاضر وتطلعات المستقبل مستندًا إلى رؤية 2040، التي يعيها جيدًا جلالة السلطان هيثم، رئيس لجنتها الرئيسية بقرار سلطاني في ديسمبر 2013، وها هو اليوم في سدة الحكم؛ يؤكد العزم على المضي قدمًا في تنفيذ خططها وبرامجها ومبادراتها التي لا تحتمل التأجيل، باعتبارها أولويات وطنية للمرحلة المقبلة في التاريخ العماني.
القراءة المتأنية للخطاب تفصح عن الانحياز التام للمصلحة العليا للوطن، بعهد ووعد لتكريس كل الجهود للعمل من أجل عمان وأبناء عمان، وجاء شباب عمان في موضع القلب من الخطاب، وكيف لا وهم وقود الأمة وثروتها البشرية وأغلى أصولها التي يعول عليها في تحويل الرؤية إلى واقع ملموس.
لذا تعهد السلطان بالإنصات للشباب، والتعرف على احتياجاتهم واهتماماتهم وتطلعاتهم التي وعد جلالة السلطان بأنها حتمًا ستجد العناية التي تستحقها، كما سيجد الشباب كل الدعم والتمكين وبشتى السبل؛ سواء عبر الاهتمام بتعليمهم والارتقاء بالبحث والتطوير والابتكار، واستغلال طاقاتهم والحرص على دمجهم ومساهمتهم في الوفاء بمتطلبات المرحلة المقبلة.
ولأن رؤية عمان 2040 هي بمثابة خارطة الطريق نحو المستقبل، بعد خمسة عقود من العمل والبناء ومسيرة تنموية حافلة بالإنجازات لجلالة السلطان قابوس – رحمه الله – في مختلف المجالات.
وحتى تتحقق أهداف الرؤية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإن عمان على موعد مع حزمة من الإجراءات اللازمة لإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، وتلك ضرورة لا يمكن تجاهلها في ضوء معطيات السنوات الأخيرة، وبعض الفجوات وأوجه القصور والترهل التي أصابت بعض أجهزة الدولة بالجمود، خاصة القطاع الحكومي والشركات الحكومية، لهذا كان الخطاب حاسمًا في شأن مراجعة أداء تلك الشركات لتمكينها من الإسهام الفاعل في المنظومة الاقتصادية، بالتوازي مع مراجعة آليات صنع القرار الحكومي للقضاء على بيروقراطية الإجراءات وتحقيق أكبر قدر من المرونة بما يخدم المصلحة الوطنية العليا.
ولا يمكن أن تتحقق أية خطوة للأمام في أي مجال من المجالات، دون إطار تنظيمي وتشريعي مواكب لمتغيرات العصر ومتجاوز لتحدياته، ومتوائم في الوقت نفسه مع ظروف عمان ومتطلبات المرحلة الراهنة، ومستهدفات وتطلعات رؤية 2040.
أقول هذا بيقين تام، خاصة أن هناك عدة قوانين مهمة ما زالت حبيسة الأدراج لم تر النور في السلطنة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر قانون المطبوعات والنشر الصادر في عام 1975، والذي ألغي بمقتضى القانون الصادر في 1984، والذي جرت بشأنه مناقشات موسعة لتحديثه من ذلك التاريخ وحتى الآن، وهو من القوانين الحيوية المهمة التي ترسم ملامح إعلام المستقبل الذي يجب أن يكون على مستوى تطلعات رؤية عقدين مقبلين من الزمان، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يخدمها إعلام ينظمه قانون يعود لعقود طويلة مضت، فقد تطورت وتغيرت الوسائط الإعلامية، وشهد العالم ثورات اتصالية ومعلوماتية وفكرية لا يمكن تجاوزها.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن يشدد الخطاب على تحديث منظومة التشريعات والقوانين، وتبسيط الإجراءات وحوكمة الأداء والنزاهة والمساءلة والمحاسبة، لضمان المواءمة الكاملة والانسجام التام مع متطلبات الرؤية ومستهدفاتها.
أن من أبرز مستهدفات رؤية عمان 2040، تعزيز التنويع الاقتصادي، واستدامة الاقتصاد الوطني، وهذا ما يتطلب الإدارة الكفء لموارد الدولة؛ لوقف الهدر وخفض المديونية، وزيادة الدخل وتحقيق التوازن المالي، وتلك أولويات تتجاوز مستوى الوعود والتطلعات، وترقى إلى مستوى القرارات، أما الصداع المزمن الذي تعاني منه معظم دول العالم، وهو سياسات التشغيل واستيعاب الكوادر الوطنية المؤهلة والمدربة من العاطلين عن العمل، وعددهم بعشرات الألوف في سلطنة عمان التي يبلغ تعداد سكانها نحو 4.6 مليون نسمو؛ منهم 2 مليون وافد أجنبي، فقد حسم الخطاب هذه القضية الشائكة التي ظلت تتدحرج ككرة ثلج في السنوات الأخيرة، إذ أكد الخطاب على وضع إطار وطني شامل للتشغيل باعتباره ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد الوطني، مع الاستمرار في تحسين بيئته في القطاعين العام والخاص، ومراجعة نظم التوظيف في القطاع الحكومي وتطويره، وتبني نظم وسياساتِ عمل جديدة تمنح الحكومة المرونة اللازمة والقدرة التي تساعدها على تحقيق الاستفادة القصوى من الموارد والخبرات والكفاءات الوطنية، واستيعاب أكبر قدر ممكن من الشباب، وتمكينهم من الانخراط في سوق العمل.
لم يغفل الخطاب الاهتمام بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ومبادرات ريادة الأعمال، وتمكين القطاع الخاص باعتباره شريكًا إستراتيجيًا في التنمية، وتحقيق النهوض الاقتصادي على أسس من الشفافية والنزاهة والحوكمة، ومراجعة الأداء، والضرب بيد من حديد لمواجهة الفساد، والاستناد إلى منظومة تشريعية قانونية متطورة وحديثة، من الممكنات الجوهرية لتسريع وتيرة إنجاز أهداف وتطلعات رؤية السلطنة نحو الغد.
نعود لنؤكد أن سلطنة عمان لا تبدأ من الصفر أبدًا، إذا هي عبر تاريخها رقم صحيح في ميزان القوى الفاعلة خارجيًا، ورقم محترم بما شهدته من استقرار على المستوى الداخلي، إذ تمضي الدولة لتواصل مسيرة خمسة عقود من العطاء، مسيرة يشهد لها العالم وتؤكد العمق التاريخي والحضاري للسلطنة؛ باعتبارها دولة مؤسسات، تكفل الحرية والعدل والمساواة للمواطنين والمقيمين على أراضيها دون تمييز، وتؤكد أنها دولة تقوم على مبادئ الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص، قوامها العدل، دولة تصون كرامة الأفراد وحقوقهم وحرياتهم، بما في ذلك حرية التعبير التي كفلها النظام الأساسي للدولة.
إن هذه الإشارات التي جاءت على لسان السلطان هيثم بن طارق ، تجيب عن الأسئلة المعلنة وغير المعلنة للمراقبين للشأن العماني والمهتمين بملامح وتوجهات السلطنة في المرحلة الراهنة، كما تبعث برسائل وتطمينات واضحة لا لبس فيها لأبناء عمان، رسائل مفادها أن الانتقال بعمان إلى مستوى طموحاتهم وآمالهم في شتى المجالات، سيكون عنوان المرحلة المقبلة بإذن الله.





























