الصحوة – الدكتور سالم بن سلمان الشكيلي
ذكرتُ في مقال سابق ، أنني لست من المتابعين لحساب الشاهين ، ليس كُرهاً أو بغضاً لصاحب الحساب ، وإنّما أعدّه تقصيراً مبرّرًا بكثرة ما يمكن متابعته من حسابات مختلفة هنا وهناك ، فهو بحق أحد المدافعين عن تراب هذا الوطن العزيز وفضح المؤامرات التي تحاك ضده من بعض الكتّاب والمحللين المغمورين المهووسين الذين يلهثون وراء الفتات الذي يُرمى إليهم ، من مستخدميهم المختبئين وراء العباءات السوداء كقلوبهم الحاقدة ، وسواد وجوههم القبيحة كقبح أفعالهم الدنيئة . وحتى لا يُفسّر عدم متابعتي لحساب الشاهين تفسيراً خاطئاً لا بد من التأكيد على رفع قبعتي له ولأمثاله الشرفاء من أبناء هذا الوطن الذين يتصدون لهؤلاء السفهاء ، وللذباب الإلكتروني ، ولكن لمّا كان هذا الحساب ينشر سفاهات وخزعبلات تلك الفئة الضالة عن الحق ، فإني أخاف من غليان دمي ، وزئير صرير قلمي ؛ عندما أقرأ ما يسيء إلى عمان وشعبها ورموزها ، فأشتط في كتاباتي ، فأتجاوز مبدأ التعقّل الذي ارتأيته وارتضيته منهجًا مُلزِمًا في كتاباتي .
أرسل لي أخ عزيز وكريم بعض التغريدات لحساب الشاهين ، والتي يتبين من خلالها الحملة المسعورة التي تتعرض لها بلادنا الحبيبة ، من قبل هؤلاء الحمقاء وأذنابهم وكيف وصلت بهم الدناءة والحقارة بهم ، إلى حد تقديم تقارير مزيفة إلى ما يُسمى بمجلس حقوق الإنسان المسيّس ، وهو مجلسٌ أصبح أُلْعوبة في يد أصحاب المال القذر ، ويُشار إليه الآن بسوء السمعة ، قرارته مسيّسة وغير موضوعية ، ممّا دفعني للتأكد من تلك الافتراءات المسمومة ، حيث تزعم أكاذيب وافتراءات لا يصدقها عقل ، منها اتهام السلطنة بتهريب السلاح والأموال لليمن ، والقيام بعمليات اغتيالات هناك .
وقبل الرد على هؤلاء الزنادقة ، أودّ مناقشة مسألة مهمة ، فبعض الإخوة في الداخل العماني وخارجه ، يُطالبون دومًا بالتهدئة والسكوت وعدم الرد على مثل هذه الترهات والأكاذيب ، تارة بحجج دينية ، وتارة بحجج أخلاقية وتارة أخرى بحجج الجورة والأخوّة ، ولعله من المناسب جداً دحض هذه الحجج الواهية بالمبررات والمسوّغات التي نرى أنّها لازمة في الرد وعدم السكوت :
١- ديننا الإسلام ، لم يمنعنا من الرد على الاعتداء ، فالله سبحانه وتعالى يقول في محكم آياته ” فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ” وقوله تعالى ” وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ” بل إن فقهاء الشريعة يعتبرون أن ردّ الظلم والعدوان عن النفس والمال والعرض ، واجب شرعي مقدّس ، فإن اجتمعت كل هذه السهام الغادرة الموجهة في نحر الوطن ، كان الرد من أوجب الواجبات ، ولا يحدثنا أحد عن الصفح والعفو ، فذلك ربّما يكون في المرة الأولى أو الثانية ، أما إن أصبح الاعتداء أمراً معتاداً وممنهجاً من هؤلاء المرجفين الأفّاكين الأفّاقين ، يُراد به الضرر فلا صفح ولا عفو ينفع مع هؤلاء ، لأنّ حِلم الحليم يجعل السفيه يتمادى في سفاهته ، فيظن حِلْمنا وصبرَنا جُبنًا
وخوافًا وإقرارًا بمَكبّات نفايات أفواههم وأقلامهم ، وهذا ما لا يمكن القبول به مطلقًا .
٢- نتفق مع إخوتنا ، بأنّ العمانيين جُبلوا على الأخلاق الحميدة والصفات الرفيعة فلا يبدأون أحداً بالاعتداء ، ويترفعون عن السب والشتم والإساءة للأخر ، لكن في المقابل فإنهم أصحاب عزّة وكرامة لا يرتضون ذلاً ولا إهانة لا من قريب ولا من بعيد ، فمن يرضَ الهوان يعش ذليلاً ؛ ولو يمشي على ريش النّعام ، أما حينما تسمو النفس البشرية – ومَن كالنفس العمانية في سموّها ! – فإنها ترتقي مطالع الجوزاء ، وتعلو همة النفس ، ويزداد قدرها ، ويرتفع مقامها وقيمتها . فمَن يهُنْ يسهل الهوان عليه ، ونحن لسنا كذلك . نحن أمة مجدٍ وأنفَة وشمَم .
٣- وفيما يتعلق بحق الجوار ، فنحن قوم نحفظ حقوق الله وحقوق عباده ، ونرعى عهودنا وجوارنا ، ونحترم ونُجلّ أشقاءنا ، فهم لنا نسَب وعصَب ، فلا نغدر ولا نخون ولا نسيء ، ولكن عندما يهدم الجار كل تلك المعاني ، ويدس لنا السم في العسل ، ولا يرعى إلًّا ولا ذمّة ، فلا يحترم جورة ولا أخوة ، ونحن هنا لا نقصد الشعوب فهم أهلنا ، ولكن نقصد القلة المنحرفة عن الحق والحقيقة ، وتكابر لتسلخ نفسها من جلدتها، محاولين جاهدين بلا جدوى الهروب والتخلص من متلازمة النقص التي يعانون منها ، فأنّى ذلك لهم ، وهي خلقة وصفة متأصّلة فيهم ؟!.
وعلى ذلك ، فإنّ المخلصين من أبناء هذا الوطن ، لن يسكتوا على أي ناعق أو ناعقة معلومة الهوية أو غير معلومة تسيئ إلى عمان وشعبها ورموزها، ولا يمكن لأحد أن يطلب منهم ذلك ، بل هو حقٌّ مشروع ، نوجّهها في وجوه تلك النّكِرات الحمقاء ، بل إنّنا سنغلظ في القول بقدر قبحهم وفضاضتهم، فقد علمتنا جياد الخيل الأصيلة الكريمة ، كيف نرهب عدو الله وعدونا ، فلا نامت أعين الجبناء أينما كانوا أو ارتحلوا ، ومن أراد البحث عن الزعامة أو الشهرة فعليه النظر قبل ذلك في أمرين ، الأول : عليه أن يعرف حقيقة نفسه وأصله ومنبته ، فالفروع سرعان ما تنحني وتنكسر إذا تاهت عن أصلها ، والأمر الثاني : عليه إدراك قدر العظماء ، وهنا لا بدّ أن يحذروهم ، فتواضع العظماء حلمٌ وليس ضعفاً ، كما أن شجاعتهم قوة وهيبة ، وليست غروراً .
إن البالونات وفقاعات الهواء التي أطلقت مؤخراً لتشويه صورة عمان ، ماهي إلا طنين ذباب لا يتعدى طنينه منطقة العفن التي يتغذى منها ، أما عمان بعزة الله طاهرة مباركة شامخة سامقة ، لا تهزها عاصفة ولا تُخيفها عارضة من عوارض الزمن ” وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ”
إن الثوابت والحقائق التاريخية والجغرافية لا تسقطها تغريدات و هرطقات الزعتر أو غيره ، فهي ثابتة بثبوت التاريخ الإنساني الذي سطره علماء كبار ، وحقيقة الدولة العمانية ليست مقصورة على الإمبراطورية التي امتدت إلى أفريقيا ، بل هي كيان راسخ البنيان منذ آلاف السنين قبل الميلاد ، وهذا ما أكدت عليه مصادر التاريخ والجغرافيا وهي مصادر في معظمها ليست عمانية ، وليرجع لها من به شبق الغرور والكذب والتضليل ، مثل كتب إبن حوقل والإدريسي والفيروزبادي وابن بطوطة والمغربي وغيرهم الكثير من العرب إلى جانب الكتاب المستشرقين ، لعلّها تساعدهم في العودة إلى جادّة الصواب ، وأما إذا كان البعض لا يُؤمن بالتاريخ ، فعليه أيضا أن ينسف تاريخ بلاده والتاريخ العربي والإسلامي والبشرية جمعاء .
وعمان كما عهدها العالم ليست دولة تأمر ولا مؤمرات، وإقامة علاقات مع الدول كافة دليل واضح على نضج السياسة العمانية وعلى حبّ التعائش مع الجميع ليس بينها وبين أحد عداوة أو خلاف وليست ملزمة بإتباع سياسة فلا هي تابعة ولا تدعي أنها متبوعة، والشعوب قاطبة تعرف من يُحيك المؤامرات ومن يتأمر على مصالح الأمة، فدعونا صامتين لأنّ في فمنا ماء كثير وكما يقول المثل العربي ” من بيته من زجاج لا يحذف الناس بالطوب ”
عمان أيها الحمقى ، لا تُرسل أسلحة إلى اليمن ، ولم ترمِ على اليمنيين القنابل المميتة ، ولم تضرب المدارس والمستشفيات ومآتم العزاء بالصواريخ ، ولم ترسل جواسيسها وشبيحتها لإثارة الفتنة والشقاق بين اليمنيين ، ولم تعمل على تقسيم دولة لها حضارتها وحضورها العربي والدولي ، عمان – أيّها المهابيل – ترسل طائرات الأغذية والمؤن الطبية وتنقل الجرحى والمصابين ، وتعمل على فكّ الأسرى والمخطوفين ، عمان تجمع ولا تفرق ، وتعين على رأب الصدع والتوفيق بين الأطياف المتحاربة .فمتى ستدركون هذه الحقيقة ؟! وإن كنت أجزم أنكم تعُونها وتدركونها ، ولكنه الحقد الأسود ، والغلّ المَقيت ، والكُره العفِن الذي فاض حتى من آذانكم ومدامعكم .
نعم ، عمان تُمارس الحياد الإيجابي الذي لا يوجد في قواميس سياستكم ولا ساستكم ، ولا تُجيدون ممارسته بسبب الغباء والجهل الذي يغلّف أدمغتكم وأفكاركم ، وذلك الصلف والكبرياء وجنون العظمة الذي دمّر عقولكم وتفكيركم ، حتى أصبحتم ترون أنكم الألهة الكبرى ، التي تأمر فتُطاع ، فاستضعفتم الآخرين ، تارة بشراء الذمم ، وتارة بالتهديد والوعيد، وهذا ما لم تنجحوا فيه مع عمان ، فسبّب لكم صداعاً وإحباطًا ، زلزل عروشكم ، وأضاع قروشكم ، ورجرج كروشكم ، لأنّ العمانيين دعاة سلم وسلام ، وسلالة مجد وتاريخ وشموخ ، هذا جانب ، ومن جانب آخر ، فإنّ ذممهم ليست مجالاً للبيع والمساومة ، فامضوا إلى حال سبيلكم ، ورمّموا بنيانكم المتهالك ، يرحمكم الله .
ولأننا على الحق ، فلن يُرهبنا مجلس حقوق الإنسان الذي يعرف الجميع من يُسيطر عليه بالمال ، وكيف يُدار ، فوالله لن تهتز شعرة عماني في رأسه ، ولن نلتفت نحوه ، ونربأ بأنفسنا عن المهاترات التي تدور فيه ، وما نحن بقوم نحب اللغو ، لأن اللغو ليس من طبعنا ولا من شيَمنا ، فهو لا يُعتدّ به ولا نفعَ ولا فائدةَ منه .
وفي ختام هذا المقال أقول الآتي :
لن ننحني ولن تنكسر رقابنا
لن نسكت على أي ناعق ينال من عمان وشعبها
لن نكون بقرة حلوب لمُبتزّ ، فموارد بلادنا أولى
بها شعبنا
لن نغيّر سياستنا التي تقوم على محبة الجميع
وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية للغير
لن ندخل في حرب أو خلاف مع أو ضد أحد ، إلا
إذا تم الاعتداء علينا ، فعندئذٍ ستكون أرواحنا
على أكفّنا ، فإمّا حياةٌ تسرّ الصديق ، وإمّا
ممات يغيض العِدا .
*وأخيراً صِرت من المتابعين لحساب الشاهين *




























