الصحوة – شريفة التوبي
أقول لعلها مزحة، لعلها كذبة، لعلها دعابة، لعلها كاميرا خفية، لعله حلم، ورغم مرور الوقت منذ أن غزا كورونا هذا العالم، لكني كلما استيقظت، أتعوّذ بالله من حلم بغيض حلمته عن وباء يجتاح العالم، إنه حُلم، هكذا أقول لنفسي، أفتح ستائر غرفتي، أطلّ من النافذة، ربما ذهب أطفالي إلى المدرسة، لعلني أرى جارتي تمشي في رصيف الشارع كما هي عادتها، وهي تمارس رياضتها الصباحية، لعلني أراها تتجه نحو بيتي وهي تحمل في يدها صحن من الخبز العماني الطازج الذي خبزته هذا الصباح، أفكّر في زحام الشارع الذي سأكون فيه بعد قليل، وأنا متجهة إلى عملي، لكن الشارع صامت، فلا أثر سوى لسيارة أو سيارتين، لا أرى جارتي ولا أشم رائحة خبزها، ولم يذهب أطفالي إلى المدرسة، ولم أذهب أنا إلى العمل، تُفزعني هذه الحقيقة التي عليّ أن أصدّقها وأنا أفتح هاتفي لتصفّح صحف الصباح ومواقع التواصل الاجتماعي، فأدرك أن ما نحن فيه ليس حُلماً بل حقيقة مرعبة وبشعة، وها نحن نواجهها بكل ما أوتينا من ضعف أو قوة، من جهل أو علم، نواجهها بالسلاح الذي نملكه بأن نجلس في بيوتنا ونغلق أبوابنا ونبتعد.
يُرعبني هاتفي لمجرد أن أفتحه؛ لأعرف آخر المستجدّات في هذا العالم، تُرعبني تلك الرسائل التي لا أعرف مصدرها وحقيقتها، أرمي هاتفي الملغّم برسائل التحذير والتنبيه والعلاجات والأبحاث العالمية والمنزلية، إنه كورونا الحرب الأشد على العالم والإنسان من الحرب العالمية الأولى والثانية، القنبلة الأشدّ من قنبلة هيروشيما وناجازاكي. ألوذ ببيتي ومكتبتي وصمتي، ولكوني امرأة بيتوتية تعتمد على هاتفها لمعرفة ما يحدث في هذا العالم ومعرفة آخر مستجدّاته من أحداث وموت وقتل وخراب ودمار، لم تكن العزلة شيء جديد بالنسبة لي، فأنا ومنذ أن احتلت هذا الكوكب كائنات شريرة كما تقول أفلام الرسوم المتحرّكة، فقدت ثقتي في العالم، فقدت ثقتي في صلاحه، فقدت ثقتي في الإنسان الذي تحول إلى طبيعة أخرى لا تشبه طبيعة الإنسان، فقدت ثقتي في أشياء كثيرة كنت مؤمنة بها، رغم محاولاتي الجادة في استعادة ما فقدت، لكني كنت أبوء بالفشل، لذلك لم يكن الحجر المنزلي بشيء جديد على واحدة مثلي لا تخرج من بيتها إلا قليلاً، ولعلها العزلة التي كنت أرجوها وانتظرها، العزلة التي تبعدني عن كل شرور العالم وتقربّني من تلك الأرواح التي تسكن كتبي، والتي كنت بانتظار أن أتفرّغ لها ولو بعد حين، لعلها العزلة التي كنت أبحث عنها لأكتب كل تلك الأفكار المؤجّلة حتى سن التقاعد من الوظيفة والمهام اليومية وحين يكبر الأبناء، وها أنا اليوم يُجلسني كورونا في بيتي، أحاصر نفسي فيه كالتزام وطني وصحي، واجب عليّ فعله، لكني مشتتة ذلك الشتات الذي يعيشه غيري في زمن الكورونا.
في هذا الوقت بالذات، قمة الشجاعة ومنتهى القوة أن نجلس في بيوتنا، خصوصاً للبعض منا الذين لم يكن البيت بالنسبة له سوى كفندق للمبيت، أو استراحة فقط، ولعل بعضهم لأول مرة يجلس مع عائلته في صالة البيت أو على مائدة الطعام، يتعرّف عليهم، وكأنه عائد من سفر، يعرف طبائعهم، يتأمل ملامح وجوههم، يستمع لحكاياتهم، يكتشف ألوان الستائر، وتعجبه اللوحات المعلّقة في جدار غرفة الجلوس، يكتشف طريق المطبخ، ففي عزلة كورونا أصبح المطبخ ملاذاً لمن وجد نفسه فارغاً بعد حياة مليئة بالصخب والضجيج والأعمال، ولقد تحول أكثر أفراد الأسرة إلى طهاة، يطبخون أجمل الأصناف وألذّها، بعضهم انتبه للتفاصيل الصغيرة في علاقته بأسرته بعد أن شغلته الحياة عنهم، فمن سرقته الدنيا من بيته وعائلته أعاده كرونا إليهم.
إنه كورونا الذي هزم الجميع، كورونا بكل قوته وجبروته سواء كان عمل إنساني أو شيطاني أم قدر إلهي قُدّر علينا، إنه درس علينا أن نتعلمه ونفهمه، كورونا الذي أبعدنا عن أحبتنا وأصدقائنا وجيراننا، كما قرّبنا من عائلاتنا الصغيرة، كورونا الذي كشف مدى هزال وضعف دولنا العربية المنتظرة للدواء من الدول التي صدّرت لها الداء، كورونا الذي يواجهك بضعفك كإنسان لا يملك سوى التسليم مع أخذ الحيطة والحذر من خلال اتباع وسائل الوقاية، كورونا الذي حرمنا من عناق أحبتنا في قاعات المطار وهم عائدون من السفر، حرمنا من مصافحتهم، ومن الاقتراب منهم، فابتعدنا وعزلناهم لنحميهم ونحمي أنفسنا من الإصابة بالفيروس.
يطلّ كورونا برأسه من الهاتف، من التلفاز، من الشارع، من أسطح المكاتب، من ملامسة أي شيء قد يكون عبَرَته، كورونا في كل مكان، عدو خبيث لا تراه ولا تعرف متى يظهر لك، يستبدّ بنا الفزع والهلع، العالم فارغ، المساجد مغلقة أمام من تعلّقت قلوبهم بها، لم يبق سوى صوت الآذان الذي يبعث الطمأنينة في النفس، الكعبة مغلقة أمام من تهفو أرواحهم لزيارة بيت الله، المدارس مغلقة أمام طلاّبها، الملاعب تفتقد لاعبيها، الحياة صامته وموحشة، نرتدي القفّاز والكمامة كلّما خرجنا، أصبحنا نقرأ العيون لنعرف حال الإنسان الذي نقابله عن بعد، وربما لأول مرة أكتشف جمال عيون الفتاة التي تعمل في قسم المحاسبة في أحد محلات الأغذية وهي ترتدي الكمّامة، رغم أني كنت أراها من قبل؛ لكن البثور التي تملأ وجهها كانت تغطي على جمال عينيها، ولأني لا أطيق أن أخبىء شعوري بالجمال، أخبرتها أن عينيها جميلتان، فضحكت شاكرة وقالت: هذا من حسنات كورونا يا عزيزتي.
وها نحن يد واحدة في مواجهة كورونا حتى يزول البلاء، كورونا الذي علّمنا قيمة ما كان لدينا، عرفّنا نعمة ما كنا فيه، كورونا الذي تقزّمت أمامه قضايا العالم ليبقى القضية الأولى التي تهمّ الجميع ولا شيء غيرها، كورونا التجربة والدروس المستفادة، البلاء الذي مهما كان ظاهره عذاب لكنه في باطنه رحمة وخير، فكل ما يحدث في هذه الحياة خير، فقط لنؤمن ونثق بخالق هذه الحياة ونتعلّم، لعلنا نخرج من هذه الأزمة ونحن أقوى وأفضل حالاً، ولعل وجه العالم بعد كورونا سيكون وجه مختلف، ولعله خير.





























