الصحوة – الدكتور سالم بن سلمان الشكيلي
لعلّ أول مناشدة أُطلقت تناشد البنك المركزي ، لتوجيه البنوك العاملة في السلطنة لإمهال المقترضين فترة سماح عن تسديد الأقساط ، لمدة أقلها ثلاثة أشهر أو أكثر ، كانت عبر تغريدة للعبد لله قبل أكثر من أسبوعين، بل زدت على ذلك طلبين آخرين ، الأول : اكتفاء البنوك بما سدده المقترضون من أصل ديونهم والفوائد ، وإعفائهم من باقي الفوائد المركبة ، والثاني : تخفيض البنك المركزي لنسبة الفائدة بحيث لا تتعدى ٣% فقط على القروض الشخصية والسكنية ، وكذلك تخفيض سعر الفائدة على القروض التجارية ، وذلك تقديرا للظروف التي تمر بها البلاد والعباد بسبب جائحة فيروس كورونا ، الذي قصم ظهر الحياة بوجه عام ، حيث أنّ البنك المركزي يُعد بنك البنوك والحاكم الفعلي والموجه لها .
وبحسب سوق مسقط للأوراق المالية ، فقد حققت البنوك العمانية أرباحاً تزيد على ٣٧٩ مليون ريال عماني عام ٢٠١٩م، فقد حقق واحد منها فقط صافي أرباح ١٨٥ مليون ونصف المليون ريال عماني في العام ذاته ، وهي ارقام تزيد على السنوات الماضية ، وهذا بخلاف ماتحققه نوافذ الصيرفة الإسلامية من عوائد نتيجة لعمليات البيع والشراء ، والتي لا يخلو بنك منها .
والجدير بالذكر أنّ حجم الائتمان المصرفي للبنوك التجارية في السلطنة اقترب من ٢٢ مليار ريال عماني عام ٢٠١٩م ، منها مايربو على ٨ مليار ريال عماني قروض شخصية فقط .
وتتبارى البنوك التجارية في مقولة عبارة ” نحن في خدمة الزبائن ” من خلال عمليات ترويجية جذابة ، وربما هذا من حقها ، ولكن إلى أي حد تصدق هذه العبارة المطاطة التي ليس لها أي هدف سوى جذب مزيد من الزبائن ، حتى إذا ما تمّ لها ذلك ، أصبح المقترض منها أسير شروطها ، مكبلاً بأقساط القرض وفوائده المركبة ، التي تصل بالقرض إلى ما دون الضعف بقليل ، بلا رحمة أو مراعاة لظروفه الشخصية التي ألجأته إلى الاقتراض ، فإن هو تعثر في السداد لسبب لا دخل له فيه كان عداد الفوائد يحسب حسبة عمياء من جانب ، والمحاكم والسجن من جانب آخر ، بل الأغرب من هذا موقف البنك المركزي من البنوك إن هي تساهلت مع بعض المدينين حيث يدفعها دفعاً لاتخاذ الإجراءات المذكورة ، ناهيك عن ما تسمى بالقائمة السوداء التي تحفر فيها أسماء المتعثرين عن السداد ، والتي يعممها البنك المركزي على كافة المصارف وشركات التمويل ، فمن حفر إسمه فيها ، فلا بنك يغفر له ولا شركة تمويل تقبله ، ولا يخرج منها إلا بصك غفران من البنك الذي وضعه فيها .
إِنْ جانب الخير معدوم تمامًا في المعاملات البنكية ، فليس هناك مرحمة ولا رأفة إطلاقًا ، ولا وجود لمعنى قول الله تعالى :” وإن كان ذو عسرة فنظِرة إلى ميسرة ”
بطبيعة الحال ليس مطلوباً من البنوك عدم المطالبة بديونها ، واتخاذ ما يلزم لاستردادها ، فهي في نهاية المطاف أموال مساهمين ، ولكن لا يجب إغفال جوانب الرحمة والإنسانية وتقدير الظروف ، بل المطلوب عدم الجشع وعدم استغلال ظروف وحاجة المقترضين ، والمطلوب تخفيض سعر الفائدة واحتسابها على أساس فائدة بسيطة وليست مركبة ، ومطلوب بشكل أكثر إلحاحًا من البنك المركزي أن يكون مع وحاميًا للجميع ، ولا يكون منحازًا كما هو حاصل الآن مع ولصالح البنوك وشركات التمويل التي تمص دماء المقترضين منها .
وقد ينبري شخص ، قائلًا ؛ لماذا لم يذهب هؤلاء المقترضون لإحدى النوافذ الإسلامية ؟ ولا أريد أن أدخل في جدلية مع أحد بهذا الخصوص ، ولكن بحسب معلوماتي فإنها لا تمنح قروضًا شخصية ، هذا من ناحية ، وفيما يتعلق بعمليات تمويل الشراء المنزلي فليست أقل وطأة من البنوك التجارية من حيث جملة المبلغ الذي سيتم سداده في الحالتين من ناحية ثانية ، وهنا لا أتحدث عن الحلال والحرام ، وإنما عن حجم المعاناة التي يتحملها المقترضون في جميع الأحوال ، فهنا أقساط وهناك أقساط مطلوب سدادها ، وإذا لم أخطئ فحوالي ٧٠% من المجتمع العماني مدين إما لبنك وإما لشركة تمويل وإما للاثنين معاً .
عموماً ما يهم الآن ، وفي ظل جائحة كورونا التي أضرت بالجميع ، فقطعت أرزاق البعض وتأثرت أرزاق الأخرين بالنقصان ، فزادت هموم الناس وضاقت بهم السبل ، وتكفلت الدولة وأصحاب الخير والمعروف بإعانة وإغاثة بعض الأسر المتضررة ضرراً كبيراً ، وارتفعت المناشدات للبنوك وشركات التمويل بإرجاء دفع الأقساط لمدة مابين ثلاثة وأربعة أشهر بدون أن يترتب على ذلك احتساب فوائد تأخير ، وهذا ما عملت به العديد من دول العالم ، في التخفيف عن أعباء مواطنيها ، ولكن ورغم كلّ هذه الظروف الاقتصادية الخانقة ، ورغم كل المناشدات المجتمعية للبنك المركزي والبنوك كافة ، إلا أنها في وادٍ آخر ، قوامه لا أسمع لا أرى لا أقدّر أي ظروف ، ولا أعرف غير جني المحصول كل شهر ، ومن يتأخر عن ذلك فعليه مواجهة المصير المحتوم ، أما شركات التمويل ، فإنها أوقفت كل عملياتها وخفضّت موظفيها ؛ استجابة لقرارات اللجنة العليا لمتابعة الآثار المترتبة على وباء كروونا ، إلا عملية واحدة ظلت منتظمة وهي قيام المسؤول المالي في كل فرع من فروعها بإيداع شيكات المقترضين لدى البنوك ، وكأنّ شيئاً لم يحدث في هذه الدنيا . يا لَلْعجب
وسأقولها بصدق والله المستعان ، إنّ تعنّت البنوك وشركات التمويل ، سببه البنك المركزي المتساهل والحاضن لها كحضن الأم لوليدها ، ولو لم يكن كذلك فإنّ تعميماً واحداً يحمل صيغة الأمر لهذه المصارف والشركات كافٍ بإنهاء هذا الأمر ، ولا يحتاج كل هذا الأخذ والرد وترك الحبل على الغارب ، حتى البنك أو البنكين اللذين أعلنا عن إمكانية التأجيل ربطا ذلك بالعبارة المشهورة لدى هذه البنوك والشركات ” تطبق الشروط ” وهي شروط على الأقل غير معلنة ومعلومة سلفاً وبشكل واضح ، وإنما تحمل بين طيّاتها أهواء البنك ورغباته وإملاءاته وشروطه .
لقد طالب البعض بتدخل اللجنة العليا لمتابعة الآثار المترتبة على وباء كورونا بإصدار هذا القرار ، وفي الحقيقة فإن الدولة تحاذر من التدخل في سياسة الائتمان لسببين ، الأول : لوجود البنك المركزي المعني الأول بالإشراف والرقابة والتوجيه لمجموعة المصارف ، والثاني : تجنباً من اتهام الحكومة بالتدخل في هكذا شأن ممّا قد يهز الثقة بسياسة الائتمان الدولية.
ترى هل تجد كل هذه المناشدات والمطالبات والصرخات المؤسسية والمجتمعية آذاناً صاغية وقلوباً رحيمة وعقولاً حكيمة وشجاعة ناصرة للضعفاء والمحتاجين ؟!! من الأطراف كلها ، سواءً من البنك المركزي أو المصارف أو شركات التمويل، أم سيظل هؤلاء قابعين في واديهم ، وقد صُمّت آذانهم ، وتحجرت قلوبهم وعقولهم ، وفقدوا حكمة التصرف في مثل هذه المواقف التي لا نملك فيها إلا الدعاء إلى الله تعالى بأن يكشف هذه الغمة عن عباده الراجين رحمته وعفوه ورضاه ، وهل سيُضافوا إلى قائمة المتخاذلين ممّن خذلوا الدولة والشعب ، حين احتاجوا إليهم ، أمٌّ سيكون لهم رأي آخر ، وهبّة تُحسب لهم ؟!! عسى .




























