الصحوة – شريفة التوبية
لم تكن العزلة بالنسبة لي سوى عزلة الكاتب أو عزلة الشاعر أو عزلة الفنان، أو عزلة الإنسان حينما يتعبه الضجيج، عزلة اختيار المترف بالممكنات، اختيار الحرّ كما يقول محمود درويش، ورغم أني من أولئك الذين يؤمنون بأهمية المسافة في العلاقة مع الآخر لكني لم أكن أدرك أن هناك عزلة أخرى ومسافة أخرى تخبئها الأيام لي، تتمثل في البُعد عن أولئك اللذين أحبهم، ولا تطيب الحياة إلا بلقائهم والقرب منهم، عزلة لم نخطط لها، لم نخترها، ولكننا تقبلناها برضى ومحبة، عزلة أجبرتنا عليها الحياة لنعود إلى الحياة، عزلة ربما أبعدتنا وساعدتنا على انتشال أنفسنا من تلك العوالم الضاجّة بالقلق والمعاناة والموت.
ربما هي ليست عزلة، لكنها مسافة أمان وحماية، تباعد جسدي لا أكثر، وقد أتت في زمن نحن نملك فيه كل أسباب التواصل مع الآخر، كما نشاء ومتى نريد، نتواصل مع أحبتنا صوتاً وصورة، نقرأ الكتب الورقية والالكترونية، نشاهد الأفلام السينمائية، ولكن مع كل ذلك تجد بيننا من يشعر بالضجر والاكتئاب، فهناك من لا يطيق الأبواب المغلقة ولا الستائر المُسدلة ولا الجلوس ساعات طويلة بين جدران البيت، هناك من يتعبه الجلوس فيشعر بالضياع مع نفسه وداخل بيته، وربما طبيعة الانسان المتمرّدة والمتقلّبة ينطبق عليه (لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب)، فهذا المُتخم بالتأفف، هو نفسه من كان يحلم بإجازة طويلة، هو نفسه من كان يلعن ساعات الدوام وزحام الطريق، فيستيقظ صباحاً متثاقلاً وهو متجه إلى عمله، يتحايل ويسرق الوقت من ساعات الدوام ليشرب فنجان قهوة أو يتصفح مواقع الانترنت، فهل تذكّرت الآن أي نعمة كنت فيها، وهل تذكّرت أولئك الباحثين عن عمل وقد طالت بهم الأيام والسنوات جلوساً في بيوتهم بلا عمل، وهل تذكّرت أولئك المُبعدين عن منازلهم، الباحثين عن مأوى يأويهم وسقف يستظلون تحته في برد الشتاء وحر الصيف، وأنت داخل بيتك بكل ما فيه من وسائل الراحة من الكهرباء وشبكة الانترنت ومكيفات التبريد وأجهزة التدفئة؟
هي عزلتي مع نفسي، عزلة الغريب مع الغريب، الغريب الأقرب إليّ وما كنت بذلك أدري، حتى أكاد أن غنّت أم كلثوم هذه ليلتي، أردد معها هذه عزلتي، عزلتي التي تقبّلتها وتصالحت معها بالقراءة والتأمّل، عزلتي التي أعادتني إلى تلك التفاصيل الصغيرة التي شُغلت عنها، وإلى أشيائي الجميلة التي نسيتها في زحمة الأيام، فكم أخذتني الحياة، وكم سرقني العالم من طمأنينة روحي، وكم عانيت طويلاً في عالم فقد الإنسان فيه انسانيته، فعاث في الأرض فساداً وشرّاً، عالم قتل الإنسان فيه الإنسان بلا رحمة.
لقد تَعِبت الأرض، وما كورونا سوى ثورة الأرض على الإنسان، مهما كانت ظروف تصنيعه أو خَلقه، فآن لهذه الأرض أن تستريح، وآن للإنسان أن يتوقّف عن عبثه وفساده، وآن لنا أن نغير شيئاً في نفوسنا وسلوكنا في علاقتنا مع الحياة والطبيعة، وآن للإنسان أن يحمي أخيه الإنسان الذي يتقاسم معه هذه الأرض بكل ما فيها من فرح أو حزن، فيكفي أن عطسة واحدة في الصين، أصابت كل العالم برذاذها.
لقد أتى كورونا ليكشف لنا أن ( المدن لا تحميها الأسوار ولكن تحميها محبّة أهلها)، ولم تكن العزلة إلا لأنك تحب هذا البلد وهذه الأرض التي تكشف لك اليوم عن طاقات خلاقّة وعقول مفكّرة لشباب هم الأقدر على خدمة بلادهم من غيرهم، وتكشف لك عن مواردها وخيراتها، لتقول لك أن كفافنا وعفافنا في بلادنا، وما نحن فيه من ابتلاء ليس إلا مرحلة سنجتازها بصدق محبتنا لهذه الأرض الطيبة، التي ستتعافى وستعود الحياة فيها كما كانت وأجمل، ولكن السؤال الذي كنت أسأله لنفسي في هذه العزلة، ترى هل كان على الإنسان أن يمرض لتتعافي الأرض؟!





























