الصحوة – الدكتور سالم بن سلمان الشكيلي
تتعاظم الفتن والمشكلات في العالم شرقه وغربه، وتتلاحق أمواجها وتتلاطم، أمواج تتبع أمواجاً، وتصمّ أسماعَنا قرْع طبول حروب الاقتتال الداخلية والدولية، والمؤججين لها من أصحاب المصالح الشخصية والسياسية، وسماسرة السلاح وفق عروض ترويجية بحسب الكميات المطلوبة وبشتى الأنواع والماركات العالمية وخصوصاَ في دول العالم الثالث، التي هي البيئة الصالحة لتنفيذ أجندات أولئك المستفيدين المتربصين ، وليس بالمستغرب سقوط وانفجار صاروخ على مقهى، يرتاده أبرياء أرادوا احتساء فنجان قهوة، فيمزهم أشلاء، وتتضرج الأرض بدمائهم دون ذنب اقترفوه عدا أنهم بشر آمنوا بآدميتهم وحريتهم.
ونحن في عمان – والحمدلله – نعيش في كنف الأمن والأمان، يعيشه المواطن والمقيم على حد سواء، فلا بها فتن في الداخل ولا لها أعداء من الخارج، إلا من شرذمة حاقدة حاسدة، غاظها أن ترى عمان بهذا السلم والسلام والسلامة، فأرادوا بها كيداً، فردّ الله كيدهم في نحورهم، وهذا هو حال الناجحين لا بدّ أن ترى لهم حقَدة وحسَدة .
عمان آمنة على الدوام بفضل الله ثم بقيادتها المخلصة وشعبها الواعي، عُرفت أمن بالسلام ديناً وخلقاً وعملاَ، منذ قديم الأزل، فليس من باب المبالغة القول بأنّ صناعة السلام تتم هنا في عمان، ونحن لا تستهوينا العاطفة حتى نزعم ذلك، نقول هذا بتجرّد تام، وبشهادة العالم أجمع، وتؤكدها الأحداث والوقائع الكثيرة التي حدثت في المنطقة والعالم، ولولا وجود عمان التي أتقنت وبرعت في صناعة السلام وتصديره للعالم، لكانت المنطقة اليوم تشتعل وتصطلي بنيران الحرب ولعمّ الدمار والهلاك الذي لن يفرق بين أحد، فلا يبقي أحداً ولا يذر .
ففي ظل المناخات المأزومة والمناطق المضطربة هنا وهناك، ومع كثرة طبول الحرب التي تُدق وهوس بعض السياسيين العطشى للدماء، تبذل سلطنة عمان ومن خلال قيادتها السياسية جهوداً جبارة من أجل إحلال السلام، ونزع فتيل الصراعات في المنطقة خصوصاً، وفي أنحاء العالم عمومآ، وإذ نقول هذا الأمر لا نقوله من باب الإنشاء الكلامي العاطفي الذي عادة ما تستهلكه كل الأنظمة لتزين به صورتها أمام المجتمع الدولي، وإنما نقول ذلك وندعمه بالدليل القاطع والبرهان الساطع، ولكي تتم الإحاطة بهذه الصناعة العمانية الخالصة للسلام سيتركز الحديث على مسارين :
الأول : أدبيات الخطاب السياسي
العماني
الثاني : الممارسة الفعلية للسلام
أولاً : أدبيات الخطاب السياسي
العماني بشأن السلام
إن من يقرأ ويتتبّع أدبيات الخطاب السياسي العماني بشأن السلام، يدرك للوهلة الأولى بأنّ هذا البلد صاحب رسالة عظيمة، مضمونها ببساطة شديدة هو حق الشعوب قاطبة أن تعيش في محبة ووئام، بعيداً عن الخراب والدمار وويلات الحروب، ذلك أنّ الشعوب خلقها الله ووهبها الحياة لتعيش ولتعمر الأرض حيث يقول رب العزة جلّ جلاله في الآية ( ٦١ ) من سورة هود ( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ) ، ولم يخلقهم ليتقاتلوا وليعشوا أشقياء بسوء صنيعهم، حيث قال سبحانه وتعالى ( ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) .
ويستدل على الخطاب السياسي بشأن السلام من نصوص النظام الأساسي للدولة، ومن خطابات وأحاديث جلالة السلطان المعظم، ومن كلمات ورسائل وزارة الخارجية العمانية، فقد حرص النظام الأساسي للدولة على تأكيد نهج السلطنة، والتزامها بمباديء السلام، كهدف وخيار استراتيجي لا محيد عنه، وتستخلص هذه المباديء من المادتين ١٠ و ١٤ ، إذ تصدّر هدف السلام المادة ١٤ بالقول (السلام هدف الدولة …) ، والهدف هو الغاية أو المطلب الأعلى الذي تسعى السلطنة إلى تحقيقه ليس بالنسبة لها وحدها، وإنما بالنسبة لشعوب العالم قاطبة ،وهذا ما تضمنته المادة ١٠ (إشاعة السلام والأمن بين الدول والشعوب…) .
إنّ المتفحّص النزيه لخطابات جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور رحمه الله، منذ قيام نهضة عمان الحديثة، لن يجد خطاباً واحداً يخلو من الدعوة للسلام والوئام، دعوة المحب والمؤمن بالسلام، وهذا يعطي دلالة واضحة وأكيدة على عمق الفكر وحصافة الرأي ونبل الهدف، ففي الوقت الذي كانت فيه عمان تتعرض لتمرد سافر في جنوب البلاد مدعوماً من بعض الدول، يعلن جلالته في خطابه السامي بمناسبة العيد الوطني الثاني مباديء السياسة الخارجية، قائلاً (إنّ سياستنا الخارجية تقوم على الخطوط العريضة الآتية :
١- انتهاج سياسة حسن الجوار مع
جيراننا، وعدم التدخل في
الشؤون الداخلية لأي دولة.
٢- تدعيم علاقاتنا مع الدول
العربية، وإقامة علاقات ودية
مع دول العالم ).
وظل هذا المضمون متواتراً في جميع أحاديثه، رحمه الله .
وها هو جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، يسير على ذات النهج؛ فيؤكد المبدأ ذاته في خطاب العرش، وفي بيانه التاريخي السامي بقوله أبقاه الله، مخاطباً شعبه : ( أبناء عمان الأوفياء، لقد عرف العالم عمان عبر تاريخها العريق والمشرّف كياناً حضارياً فاعلاً ومؤثراً، في نماء المنطقة وازدهارها واستتاب الأمن والسلام فيها، تتناوب الأجيال على إعلاء رأيتها، وتحرص على أن تظل رسالة عمان للسلام تجوب العالم حاملةً إرثاً عظيماً، وغايات سامية تبني ولا تهدم، تقرّب ولا تبعّد ، وهذا ما سنحرص على استمراره معكم وبكم؛ لنؤدي جميعاً بكل عزم وإصرار دورنا الحضاري وأمانتنا التاريخية) .
نعم يا أبا ذي يزن، ليس بعد هذا القول قول، إنها رسالة ودور حضاري وأمانة تاريخية، وأي أمانة أعظم من أمانة حمل وإشاعة السلام، لقد أفحمت وألجمت وأعجزت من كان يشكك في المسار القابوسي السياسي لعمان ، دمتم ودامت عمان وشعبها الأصيل في أمن وسلام وأمان تخت قيادتكم المجددة .
أيها القاريء العزيز، للحديث بقية نتكلم فبه عن المسار الثاني في المقال اللاحق بإذن الله، ودمتم جميعاً في رعاية الله .



























