الصحوة – الدكتور سالم بن سلمان الشكيلي
مما لا شك فيه أنّ العمانيين يؤمنون بوطنهم إيماناً مطلقاً، لا يقبلون في حقه المساومة أو الخذلان، ويلتفون حول سلطانهم وقائدهم التفافةً ليس لها مثيل، فهذا ديدنهم، رضعوا الولاء والوفاء لوطنهم وولي أمرهم في السراء والضراء، وهذا ما حصّن وحدتهم وجبهتم الداخلية ضد كل محاولات الغدر والخيانة .
ومن باب المكاشفة والمصارحة مع بعضنا البعض، والتكلم بموضوعية وصدق، عند وجود خلل أو نقص أو ثغرة، فهذا لا يُعد نقداً أو هدماَ لا سمح الله، وإنما هو بقصد توجيه الأنظار إلى ذلك الخلل؛ كي يتم علاجه وإصلاحه حتى لا يكون نافذة يتسلل منها الحاقدون والحمقى والمرجفون لنفث وبثّ سمومهم الخبيثة .
أشعر شخصياً وأرجو أن أكون مخطئاً، بوجود عدم ثقة بين شريحة كبيرة من المواطنين وبين عدد كبير أيضاً من المسؤولين في الدولة، ليست وليدة اليوم، بل مضى عليها فترة من الزمن نتيجة تراكمات وأسباب مختلفة، بعضها حقيقي وبعضها وهمي نسجتها الإشاعات التي لم تجد من يفندها ويرد عليها بالحقيقة الدامغة التي لا تقبل الجدل، ولذلك فالخطأ مشترك من الجهتين، وإن كان خطأ المسؤول هنا أكثر فداحة.
وترتيباً على ذلك، ودون الخوض في الماضي والبكاء على اللبن المسكوب، يتوجب على كل منا أفراداً ومسؤولين، العمل بأسرع ما يمكن لبناء جسر من الثقة المتبادلة، كلٌ بحسب موقعه وقدرته، فالمرحلة القادمة والعهد السعيد يتطلب منا أن نكون قريبين من بعض، شركاء في حمل المسؤولية والتخلص من الاتكالية والأنانية، والتعامل مع بعضنا البعض على أساس أن الوطن للجميع، لا انفراد ولا إقصاء ولا تعالي، مصلحتنا واحدة لا تختلف فيها الرؤى، هي عمان ومن أجل عمان وشعبها .
ولكي نصل إلى هذا الهدف النبيل، يجب على المسؤولين أولاً، والمواطنين تالياً، إيجاد أرضية مناسبة ومناخ صحي سليم، ولن يتأتى ذلك إلا بتقليص المسافة المعنوية بين الجانبين، والمسؤول هو الأَولى بل والأوجب ليعمل على ذلك، وتعليمات مولانا الهيثم المعظم واضحة في ذلك .
ولأن المسؤول هو الأوجب لعمل جاد ليس في تقريب المسافة بينه وبين المواطن فحسب، وإنما في إلغاء تلك المسافة، والتي أرى أنها تتمثل في النقاط التالية :
* المسؤول يمتلك السلطة، وإمكانية تقديم الخدمات للمواطنين، وهذه في حدّ ذاتها، أكبر مساند وداعم لديه عند المواطن، عندما يرى توفر الخدمة وجودتها وسرعة تنفيذها وإيصالها للمواطن .
* مدوامة المصارحة والمكاشفة في كل مايخص اختصاصات وحداتهم الإدارية ، حتى وإن كانت الحقائق مرّة في بعض الأحيان، إلا أنها تظل أقصر الطرق للإقناع . وهنا لا بدّ من الإشارة إلى ما قامت به بعض الجهات الحكومية من نشر بيانات مالية عن السنة المنتهية، ولا شكّ أن ما يقوم به مثلاً جهاز الاستثمار العماني يُعتبر نموذجاً رائداَ في هذا الشأن، ولعلها أيضاً المرّة الأولى التي يُقدم عليها جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة لشرح بيان عن تقريره السنوي المرفوع لجلالة السلطان المعظم حفظه الله، واستمرار إبحار سفينة المصارحة والمكاشفة هو الذي سيوصلها إلى برّ الأمان، مهما كانت الأمواج عاتية، إذ أنها ستتكسر أمام قوة الحقائق والصراحة .
* التواصل مع المواطنين سواءً بمقابلتهم في مكاتب الوحدة الحكومية، أو من خلال زيارات ميدانية للولايات، والسماع إلى مقترحات المواطنين وأفكارهم وطلباتهم، وما قد يكون لديهم من شكاوى بنفس راضية وقلب مفتوح، دون تكلف في القول أو الفعل، أو طرح استبيانات يتم أخذ نتائجها بعين الاعتبار، وإظهارها للجمهور، كل ذلك وغيرها من الأساليب المبتكرة، يجري في النفوس كما يجري الدم في العروق، والحق يقال أننا رأينا بعض الوزراء ورؤساء الوحدات الإدارية، يقومون بزيارات لولايات السلطنة يلتقون فيها بالمحافظين وكذلك المواطنين، وهذا شيء رائع جداً، وندعمه ونرجو استمراره، لكن لازال هناك من يعيش بعقلية القرون الوسطى، وعقلية التملك المشيخي – إن جاز التعبير – ممسكاً بالكرسي وكأنه كرسي مشيخة، يخاف أن يطير منه، وهؤلاء لا تراهم ولا تعرف عنهم ولا مسؤولياتهم إلا إلا من خلال شاشات التلفزة أو صفحات الجرائد، لأن هدف الظهور الإعلامي عندهم أهمّ من واجبات عملهم المنوط بهم، فهم لا يمتلكون مهارات القيادة والتواصل وبالتالي يفتقدون عقلية التجديد والابتكار، كأنهم خُشُب مسندة .
* الإنجاز في العمل على أرض الواقع، فهو البرهان والدليل الساطع على قدرة وكفاءة وإخلاص كل مسؤول، والابتعاد عن الوعود التي تسرح بالمواطن بالكلام المعسول، وليتأكد المسؤولون بأن المواطن يكتب في سجل ذاكرته ولا ينسى مهما تعاقبت الأيام والسنون، وليبتعدْ المسؤول عن كثرة التصريحات غير المنتجة، ذات الفرقعة الإعلامية، التي سرعان ما تهب عليها ريح الشمال، والابتعاد أيضاً عن التصريحات المستفزة للمواطن، وعليه ألا يتناسى أنه هو كذلك مواطن، ولم يأتِ من كوكب آخر .
* استيعاب والإيمان كثقاقة، بأن المواطن صاحب حق في كافة الوحدات الإدارية، وعندما يأتي لإنجاز معاملة لا يأتي متسولاً أو مستجدياً، وإنما بوصفه أحد المنتفعين بالخدمات التي تقدمها الدولة، والمسؤول ملزم بأدائها له حقاً قانونياً وشرعياَ ووظيفياً، كما يجب تكريس مبدأ المساواة بين الجميع بغض النظر عن صلة القرابة أو الصداقة أو المركز الاجتماعي أو الوظيفي، يتمتعون بذات الخدمة وفق القوانين والأنظمة النافذة .
* رقابة الوزراء ورؤساء الوحدات الإدارية لسير العمل وأداء موظيفيهم، وليبدأوا برؤساء مكاتبهم ومنسقيهم وبطانتهم التي تحويهم، وتفعيل مبدأ المساءلة الإدارية على كل مهمل أو مقصر في عمله أو مخطيء اخلّ بواجبات وظيفته، مهما علا في السلّم الإداري ، ذلك أنّ الثابت يقيناً بأنّ مَن أمِن العقوبة أساء الأدب ، وهذه المرحلة لا تحتمل المجاملات والمداهنات وغض الطرف، إذا أردنا فعلاً إقامة نظام إداري سليم ومنتج، خاصة أننا بحاجة إلى جهود مضاعفة مع بدء تطبيق رؤية عمان ٢٠٤٠، وتعلق الجميع بها؛ بما تحمله من آمال وما تضمه من تطلعات نحو مستقبل زاهر بإذن الله، وهي الرؤية ذاتها التي كانت ثمرة عمل وشراكة ورؤية مجتمعية، بمعنى أن هذه الرؤيه صنيعة تضافر جهود الحكومة والمواطنين .
* التواضع وعدم التعالي على المواطنين، فالذي خلق البشر واحد، والتخلي عن البهرجة الزائدة في كل موقع ومحفل، وساسمح لنفسي بذكر موقف شاهدته بأم عيني عندما كنت أحضر مؤتمراَ علمياً في إحدى دول الخليج العربي، حيث جلسنا في قاعة قبيل افتتاح المؤتمر بانتظار راعي الحفل، وكان من الوزراء مَن ينتمي للعائلة الحاكمة هناك، وبينما نحن جلوس، إذا بشخص منفرد يدخل القاعة فيسلّم ويبدأ بمصافحة الحضور بحرارة شديدة، فسألت عنه فقيل لي هذا راعي الحفل، وبعد تناول القهوة خرج مع الحضور ولأنني الوحيد الذي ابدو غريباً بسبب عمامتي اذا به يمد يده إليّ ليأخذني في طريقه، وأخذ كل واحد مكانه في الجلوس، جال بخاطري مشهدية ما يحصل، سترى عندنا كمّ الأشخاص الذين سيسبقون راعي الحفل، وكم عن يمينه وشماله وخلفه، ما أجمل البساطة في أجلّ معانيها .
* تعزيز دور المساءلة والمحاسبة لمكافحة الفساد المالي وحماية الأموال العامة، ونشر كافة الوقائع المتعلقة بهذا الشأن والأحكام التي تصدر بحقهم تحقيقاً لفكرة الردع العام والردع الخاص .
* الإيمان بمبدأ النقد الهادف البناء، الذي يرمي إلى تصويب الأخطاء، وليس التجريح في الأشخاص، وهدم ما يتم بناؤه لمجرد الشهرة أو إثارة الفتنة التي لن تخدم المرحلة بقدر ما ستضرها، فالمرحلة مرحلة تأسيس لمستقبل أفضل ومن الطبيعي أن تكون هناك تضحيات يتطلبها الاصلاح، ولتكن القاعدة لا ضرر ولا ضرار.
* تعزيز الديمقراطية في مكان العمل، وتوزيع الأدوار، وإشعار الموظف بالأمان ليكون عطاؤه متكاملاً وصادقاً، ويجب تقبّل أفكار واقتراحات الموظفين، وتعزيز المجيدين منهم.
دور المواطنين :-
* ربما يكون لدى شريحة من المواطنين افكار سلبيّة عن المسؤولين، زادت من حدتها غياب المصارحة والمكاشفة التي تحدثنا عنها سلفاً، ولا شكّ أن هناك بعض المسؤولين السابقين من أثرى ثراءً فاحشاً، بلا سبب، مستغلاً منصبه أو وظيفته، ولكن نحن أمام مرحلة جديدة وعهد جديد فعلينا طيّ صفحة الماضي والبدء بصفحة جديدة ناصعة البياض، وما لم نفعل ذلك سنظل ندور في دوامة لا نهاية لها .
* التخلص من فرضية أنّ المسؤولين يستغلون مناصبهم في الكسب غير المشروع، فهذا من باب أنّ بعض الظن إثم، فهؤلاء أتوا من رحم المجتمع، ولا يجوز رمي التهم جزافاً دون دليل، فالأصل في الإنسان البراءة، وما لا يقبله العقل والمنطق أن يكون الجميع بهذه الصفة، فلدينا من الشرفاء عفيفي اليد عن المال الحرام الكثير والكثير، أما غير ذلك فهم نشاز .
* عدم تصديق الشائعات التي تًبث احياناً من خارج الحدود بقصد خلخلة الوحدة الوطنية، وحتى في الداخل العماني يوجد من تستهويه فكرة خلق الشائعات، وهي آفة هذا العصر في ظل تعدد وسائل التواصل الاجتماعي، التي تستغل بشكل سيء من قبل البعض .
* إعطاء الحكومة الوقت الكافي لمعالجة العديد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية، وعلى رأسها ملف الباحثين عن عمل والمسرحين، وهو ملف مقلق ومُلحّ، وهو قطعاً هاجس الحكومة، كما هو هاجس المجتمع، والدولة ماضية في إيجاد الحلول لها، فعلينا أن نتحلى بالصبر قليلاَ، وأنا هنا أضمّ صوتي إلى صوت الكثيرين، القائل، بأنه في حالة إخفاق أي مسؤول والتأكد من عدم قدرته على ابتداع وابتكار الحلول، والاعتماد على النمط التقليدي في إدارة دفة الأمور، فإن ذلك يُعد سبباَ كافياَ لاعفائه من منصبه بل ومساءلته، لأن المواطن يريد أن يرى أثراً للتغيير، ولا يريد سماع تشكيل اللجان وتفرعاتها وكثرة مكوناتها.
* في حالة اكتشاف أخطاء أو فساد مالي أو إداري، فعلينا إبلاغ الجهات المختصة بالوقائع والأدلة، وهي بدورها ستقوم باتخاذ الإجراءات اللازمة، وعليها توفير الضمانات والحماية الكافية لأي مبلّغ عن أي حالة من مثل هذه الحالات.
وختاماً عمان تنتظر هبّة الجميع وتنتظر كل جهد يمكن أن يساعد في عملية التجديد والبناء، فالوطن لا يبنى إلا بسواعد أبناءئه في الشدة والرخاء، وعمان الوطن والأم والملاذ والملجأ تستحق الأكثر في عهد يقوده الهيثم، الذي يؤكد دوماَ قولاً وفعلاً وممارسة، إنها مرحلة العمل الجاد المخلص والمحاسبة والمساءلة .




























