- “الشباب غير واعٍ بأهمية الاستثمار في نفسه”
- “السابقين شعروا بالفقد واستثمروا الفرص، وشباب اليوم وفّرت لهم كل الظروف فغلب عليهم الاستحقاق ورغبوا بالمزيد”
تشير آخر الإحصائيات السكانية في سلطنة عمان والصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أن عدد السكان قد وصل إلى أكثر من 4 ملاين و 580 ألف نسمة، ويشكل الشباب العماني (15- 29عامًا) نسبة 29% منهم. في حوار “الصحوة” نسلط الضوء على موضوع استثمار الشباب وأهميته حيث نحاور مريم العامرية مهتمة بقضايا الشباب وهي ضمن المؤسسين لـمؤسسة رؤية الشباب والمدير التنفيذي الحالي للمؤسسة.
لماذا الشباب
بداية الحوار نتساءل لماذا اختارت مريم الاهتمام بتنمية الشباب لتجيبنا قائلة: “ومن غيرهم سيقود دفة التطور والتنمية في العالم؟” وتضيف تأكيدًا على إيمانها بالشباب وقدراتهم فتقول: “هم الذين يملكون أقصى الطاقات للعمل والتعلم، لذلك إما أن نستثمر هذه الطاقات أو نفقدها”.
وحول فرص الاستثمار في طاقات الشباب تعتقد العامرية إنها فرص تتزايد وإن كان معدل الزيادة بطيء وتوضح بأن الاستثمار ليس ماديًا فقط: “الاستثمار لا يكون فقط ماديًا وإنما معرفيًا وتعليميًا وفكريًا، وإذا استطعنا أن نلبي هذه الأشياء فإننا نكون استثمرنا بحق طاقات الشباب الحقيقية”.
ومع وجود الفرص فلابد من وجود من يستغلها، وحول ذلك تشير مريم إلى وجود 3 فئات من الشباب حسب تعاملهم مع الفرص: “هناك شباب يستغلون جميع الفرص لبناء ذواتهم وتنمية أنفسهم وهناك آخرون بطيؤون في تطوير ذواتهم ومتخاذلون قليلاً في البحث عن الفرص يعتمدون على الآخرين في توفير هذه الفرص، وهناك فئة ثالثة بين هذه وتلك تحاول أن تفعل ما بوسعها للتكيف والتعايش ويبذلون الحد الأدنى من الجهد”، وتعتقد مريم أن الغالبية من الشباب هم من الفئة الثانية والثالثة، ولكنها متفائلة بأن يحدث تغييرًا في فكر الشباب حول اقتناص الفرص: “متفائلة أن هناك تغير نحو اقتناص الفرص ولكن على الشباب أن يكونوا مستعدين لها لأن الفرصة يحتاج لها استعداد وإلتزام وصبر فعند الاستعداد يكون الإمداد”.
ماذا لو لم يجد الشباب من يستثمر طاقاته؟
في كثير من الأحيان ما يتردد على مسامعنا ونقرأ عبر شبكات التواصل الاجتماعي عن شح الفرص المتوفرة للشباب فيبقى الشاب منتظرًا للفرصة لتأتي وربما قد لا تأتي، فتقول العامرية موجهة حديثها للشباب: “الأساس هو أن تستثمر في نفسك قبل انتظار الآخرين أن يهتموا بك، لأنك كشاب أكثر إدراكًا ووعيًا لاحتياجاتك، وخصوصًا إذا كانت أهدافك وطموحاتك وقدراتك واضحة جدًا بالنسبة لك، فأنت من يجب أن تحدد طريقك ومسارك وخطة تطوير لنفسك واستثمار طاقاتك” ، وعن إمكانية تحقيق ذلك توضح: “بإمكان الشباب الاستثمار في أنفسهم اليوم أكثر من الأمس مع تواجد الكم الهائل من البرامج التعليمية والتدريبية سواء التفاعلية المباشرة أم على الانترنت، وأصبحت الآن ثقافة العمل الجزئي أو العمل المؤقت خلال فترة الدراسة أمر مقبول وشائع لادخار الأموال من أجل تطوير ذاتك وزيادة خبراتك العملية والمعرفية وتطوير مهاراتك حتى تنافس على مستوى العالم و ليس فقط على المستوى المحلي”.
وتشاركنا مريم بأربع خطوات يمكن من خلالها أن يستثمر الشاب طاقاته: “أولا: عليه أن يحدد ما هي قدراته ومعارفه ومهاراته الحالية، ويحدد أهدافه المستقبلية بذكر توصيف ما يريد الوصول إليه مهنيًا وعلميًا واجتماعيًا، ثانيًا:عليه أن يبني في وقت مبكر (على مقاعد الدراسة) الكثير من المهارات والمعارف والخبرات التي تساعده للوصول إلى أهدافه وذلك عن طريق المشاركة في الأنشطة الطلابية أو التطوعية سواء كان الارتباط بعمل جزئي ولو كان بسيطا أو مؤقتا وأيضا الدخول في دورات وبرامج تنموية واجتماعية وتعليمية وحضورها والمشاركة فيها خصوصًا المرتبطة بأهدافه سواء كانت دورات عن بعد عبر شبكة الانترنت أو بحضوره الشخصي، ثالثًا: القراءة والتعلم الذاتي المستمر مهم جدا للاستثمار الذاتي واشباع الفضول المعرفي ومحاولة تعلم كل جديد في مجاله الذي اختاره، ولا أقصد هنا تخصصه فقط وإنما القطاع أو المجال الذي يحب أن يعمل به، رابعًا: ملازمة الخبراء والموجهين والمرشدين في المجال الذي يختاره ويصاحبه ويتابعهم ويتحدث إليهم ويعمل معهم أن أمكن وذلك لاكتساب الخبرة بملازمتهم والتعايش معهم”.
وعي الشباب حول استثمار الذات
مع توفر الوسائل المساعدة لتنمية الذات والاستثمار فيها إلا أن القليل من يقوم بذلك ويعود الأمر إلى أن الوعي حول استثمار الذات لدى الشباب غير كاف حسب ما تقول مريم: “الفئة الأكبر من الشباب في السلطنة غير واعٍ تمامًا بأهمية الاستثمار في نفسه وربما لديه مفهوم قاصر أو خاطئ عن معنى الاستثمار في الذات، وبالتالي نحتاج إلى تكثيف الجهود لغرس المفهوم الصحيح ونشر ثقافة الاستثمار المبكر في مهارات ومعارف الشباب من خلال أساليب عديدة موجودة في العالم وليس فقط في عمان”. ولقصور الوعي حول الاستثمار في الذات تلاحظ مريم تكاسل بعض الشباب في أن يستثمر أمواله في تطوير ذاته: “يؤسفني أن الكثير من الشباب قد يصرف أمواله على سيارة فاخرة أو سفرة ترفيهية ولكن عندما يأتي موضوع الصرف على دورات خارجية أو تكملة دراسة أو برامج تدريبية متخصصة فأنه يقف منتظرا الآخرين كي يصرفوا عليه ليتقدم للإمام”، وعلى أثر ذلك توجه مريم هذه الرسالة لهم: “المعادلة معكوسة: اصرف على بناء خبراتك ومعارفك في أسرع وقت ممكن لتتمكن من زيادة دخلك وقيمتك السوقية وبعد ذلك تتمكن من أن تحقق رغباتك في امتلاك سيارة فاخرة وسفرة الأحلام”.
فرص العمل بين الأمس واليوم
رغم كثرة شكاوى الباحثين عن عمل من الشباب عن قلة الفرص الوظيفية والتي تبرز عبر وسوم تويتر التي أنشأها الباحثون وقاموا مثل #عمانيون_بلا_وظايف إلا أن مريم ترى أن مجالات العمل مقارنة بالماضي قد ازدادت وأصبحت أكثر تنوعا: “برأيي مجالات العمل زادت وأصبحت أكثر تنوعا وغير مرتبطة بمكان واحد أحيانا، و تعددت حتى ثقافات العمل في مجتمعنا مما يتيح وجود فرص أكثر كريادة الأعمال أو العمل عن بعد عبر شبكة الانترنت أو العمل في القطاع الخاص، ولكن هناك حاجز ومعتقد مجتمعي يمنع أحيانا الباحثين عن عمل من رؤية هذه الفرص واستثمارها مثل رأي الأهل أو العمل في تخصص واحد أو العمل في جهات محددة وغيرها من الحواجز التي تمنع الشاب من استثمار الفرص في التعلم و كسب الخبرات التي قد تعينه للوصول إلى أهدافه”.
جيل اليوم والأمس
وتزامنًا مع احتفالات السلطنة بذكرى الثامنة والأربعين من يوم النهضة المباركة توجهنا بسؤال لمريم عن فرص الشباب في الماضي والتي تصلنا عبر حكايات الأجداد والأباء مقارنة بفرصهم اليوم، فتجيب: “لا وجه للمقارنة حتى في أنواع الوظائف والتعليم، هناك نقلة نوعية في التعليم و العمل وهذا شيء لا يمكن إنكاره، ولكن الفرق الحقيقي بين الأجيال السابقة والحالية يكمن في أن السابقين شعروا بالفقد فاستثمروا ما جاءهم من العلم و العمل خير استثمار و صبروا، والجيل الحالي وجدوا كل شيء موفر لهم دون معاناة للحصول عليه، فتغلب عليهم الاستحقاق ورغبوا في المزيد دون صبر أو تدرج في الوصول إلى أهدافهم مع افتقداهم للعديد من المهارات الحياتية المهمة بسبب عدم أداءهم لمهام تحملهم مسؤوليات كبيرة”.
وتؤمن مريم بقدرات الشباب الحالية وتعتقد أنهم قادرين على التميز والإبداع إلا أنهم يعانون من بعض النواقص والتي تتمثل حسب ما تذكره: “الإصرار والالتزام والصبر في تنمية ذاته، والتركيز في مجال معين والعمل على تطويره بتدرج، والتأني في الوصول إلى الأهداف، والمحاولات الكثيرة والتعلم الذاتي المستمر، والمبادرة دون انتظار الآخرين ليساعدوه”. وتوجه للشباب رسالة تقول فيها: “على الشاب أن يقارن نفسه بين الماضي والحاضر وإلى أين يريد أن يصل وكيف يستغل ما حوله من معطيات وفرص للوصول بالطريقة الصحيحة حتى ولو كانت طويلة أو شاقة، وليتأكد تمامًا أنه سيصل في النهاية وستفتح له أبواب كثيرة بعد اجتهاده بصدق على نفسه”.
استثمار طويل الأمد للمؤسسة والدولة
وفي ختام الحوار توجه مريم رسالة إلى المؤسسات تدعوهم فيها للاستثمار في الشباب باعتباره استثمار طويل الأمد: “قد يأخذ منا وقتًا في تعليم وتدريب شاب لكنه سيظل هو رأس المال الحقيقي لتقدم المؤسسة والدولة، تأكد أن وقتك في تنمية الشاب معرفيا ومهاريا وعلميا يعتبر استثمار طويل الامد للدولة” وتضيف “الشباب بحاجة إلى الصبر والتفهم والثقة في اعطاءهم مسؤوليات يختبرون بها أنفسهم وكذلك بحاجة إلى ثقتنا بقدراتهم”.
ولأن الشباب هم محور الحديث فنختم برسائل توجهها العامرية لهم: “عليكم بالإيمان بأن كل ما تفعلونه الان لأنفسكم سيعود اليكم يوما ما، فكن حريصا في اختيار ما تفعله، فإما أن تتحرك دون أن تستسلم أو أن تتخاذل وتنتظر العالم يتقدم وأنت تتقادم. لا تستعجل النتائج واعط لنفسك وقتا لتبني ذاتك وفكرك ومهاراتك لترفع قيمتك الانسانية والمهنية والفكرية، لا تتأثر بمن حولك سلبيًا، حدد هدفك وانطلق، ولا تنتظر، ولا تيأس، بل حاول أن تصل. اقرأ في السير الذاتية للناس (اختر ما شئت فالمكتبات مليئة بها)، سيعطيك دافعا أكبر للحياة”.



























