الصحوة – منى بنت سليمان الجهورية
خلق الله الإنسان ليكون عنصر بناءٍ وإصلاحٍ في هذه الحياة، ولم يجعل الخير مقتصرًا على العبادات الفردية فحسب، بل وسّع أبوابه لتشمل كل عملٍ ينفع الناس ويُسهم في إسعادهم. ومن هنا كانت المجتمعات القوية هي تلك التي يسود بين أفرادها التعاون والتكافل والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين. ولعل أبلغ ما يرسخ هذا المعنى قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ فهي دعوة ربانية تجعل من التعاون منهجًا للحياة وأساسًا لبناء الأوطان والإنسان.
وعندما يتجاوز الإنسان دائرة الاهتمام بنفسه إلى الاهتمام بغيره، يكتشف أن للعطاء لذةً لا تضاهيها لذة أخرى. فكم من شخصٍ وجد من يسانده في لحظة ضعف، وكم من محتاجٍ امتدت إليه يد الرحمة فبدّدت شيئًا من معاناته، وكم من مبادرةٍ مجتمعية نجحت لأن خلفها رجالًا ونساءً آمنوا بأن أثر الإنسان الحقيقي يكمن فيما يقدمه للناس لا فيما يحتفظ به لنفسه. ولهذا قال النبي ﷺ: «أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس» فربط بين محبة الله وبين نفع عباده، ليجعل خدمة المجتمع طريقًا إلى رضوان الله.
ومن أجمل صور هذا النفع العمل التطوعي؛ ذلك العطاء الذي يقدمه الإنسان مختارًا، مدفوعًا بإيمانه وقيمه وإنسانيته. فالمتطوع لا ينتظر مقابلًا ماديًا، بل يبحث عن أثرٍ يبقى ودعوةٍ صادقة تخرج من قلبٍ أسعده أو خفف عنه ألمًا. ولذلك جاء الوعد الإلهي مطمئنًا لكل من يبذل شيئًا من وقته أو جهده في سبيل الخير، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ فكل خير يقدمه الإنسان يعود عليه خيرًا في دنياه وآخرته.
وما يميّز المتطوعين أنهم يعملون غالبًا بعيدًا عن الأضواء، فلا تشغلهم الشهرة بقدر ما يشغلهم الأثر. تراهم في المبادرات المجتمعية، وفي خدمة المرضى وكبار السن، وفي دعم الطلبة، وفي الأعمال الإنسانية المختلفة، يبذلون أوقاتهم وجهودهم بصمتٍ وإخلاص. وقد وعد النبي ﷺ هؤلاء بالعون والتوفيق، فقال: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» وكأن الجزاء من جنس العمل؛ فمن أعان الناس أعانه الله، ومن يسّر على الآخرين يسّر الله عليه.
ولأن العمل التطوعي ينبع من قلبٍ رحيم، فإنه لا يغيّر حياة المستفيدين منه فقط، بل يغيّر حياة المتطوع نفسه أيضًا. فهو يعلّمه الصبر، ويغرس فيه التواضع، ويمنحه شعورًا عميقًا بقيمة النعم التي يعيشها. بل إن كثيرًا من المتطوعين يؤكدون أن أكثر ما كسبوه من أعمالهم التطوعية لم يكن شهادةً أو تكريمًا، وإنما تلك السكينة التي تملأ قلوبهم عندما يرون أثر عطائهم في وجوه الآخرين. وكيف لا يكون ذلك كذلك، وقد قال رسول الله ﷺ: «من نفَّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة»
وقد أدرك الحكماء والشعراء هذه الحقيقة منذ زمن بعيد، فقال الإمام الشافعي:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
فطالما استعبد الإنسان إحسانُ.
فالإحسان الصادق يترك أثرًا لا تصنعه الكلمات وحدها، ويبني جسورًا من المحبة تبقى في القلوب طويلًا. كما عبّر أحمد شوقي عن حاجة الناس بعضهم إلى بعض بقوله:
الناس للناس من بدوٍ وحاضرةٍ
بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خدمُ.
إن هذه الأبيات تختصر فلسفة العمل التطوعي بأكملها؛ فكل إنسان محتاج إلى غيره، وكل مجتمع يزدهر بقدر ما ينتشر فيه العطاء والتراحم.
وفي زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة وتنشغل فيه النفوس بمصالحها الخاصة، تزداد الحاجة إلى أولئك الجنود المجهولين الذين يحملون رسالة الخير بصمت. إن المتطوعين لا يصنعون مبادرات فحسب، بل يصنعون الأمل، ويعيدون الثقة بقيم التكافل والتراحم، ويثبتون أن الخير ما زال حاضرًا في النفوس. ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد رحيله ليس مالًا جمعه ولا منصبًا شغله، وإنما أثرٌ طيبٌ في حياة الناس، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾
فطوبى لكل متطوع جعل من وقته جسرًا للعطاء، ومن جهده وسيلةً لخدمة الناس، ومن حياته رسالةً للخير. فهؤلاء هم حقًا صُنّاع الأثر، الذين قد تغيب أسماؤهم عن الألسنة، لكن أعمالهم تبقى حاضرة في القلوب، وشاهدة لهم عند الله تعالى والناس.




























