الصحوة – ناصر بن محمد الحامدي
خلق الله الإنسان حراً مختاراً مريداً، يفعل مايشاء، ويختار مايريد، لكن هذه الحرية مشروطة بعقل ووعي وفهم وإدراك، فالصبي ليس حراً، والفاقد الأهلية بجنون
أو سكر ليس حراً.
وهناك فرق جوهري
مابين حرية الإنسان
والإنسان الحر،فحرية
الإنسان مكتسبة تأتي من الخارج ويطالب بها الإنسان
كل المؤسسات ومنها الأسرة والمجتمع والدولة.
أما الإنسان الحر فهو تمثيل عميق لما يشعر به داخل نفسه من وعي وفهم وإدراك يتفوق فيها الإنسان على نفسه أولاً
ولا يماثل غيره ثانياً.
والحرية جوهرياً لاتخرج عن نُبْل النفس وشرف الكلمة،وهي ثقافة عقلية وممارسة عملية واكتساب معرفي يحتاج الى تفكير ورسم ملامح ذهنية وخبرة ومهارة وذكاء فطري.
فما كل من ادعى الحرية
هو حر أصلاً، وما كل من
طالب بالحرية من الممكن ان يحصل عليها وخاصة إذا كان قليل الأهلية الأدبية لها.
وحرية الإنسان حق مشروع
في كل الأديان وكل دساتير
وقوانين العالم ومنها حقوق الإنسان وكرامته التي تعارفت عليها الدول في دساتيرها وأقرتها منظمة حقوق الإنسان العالمية بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٨م.
والإنسان الحر مفهوم يقابل مفهوم الإنسان العبد،لذلك
شكلت حرية الإنسان عند الفلاسفة جل اهتمامهم وتفكريهم فكانت النتيجة أن جعلت هي أساس الحياة، لا بل! تضافرت الرسالات السماوية على جعل الحرية مناط التكليف
ومن هنا برزت أهمية الحديث عن الحرية وأهميتها ومكانتها في حياة الإنسان العاقل،
فماهو تعريف الحرية؟وكيف فهمها فلاسفة الشعوب
المختلفة ورجالات دينهم؟
قيل عن الحرية أنها ضد العبودية وقيل عنها هي قدرة الفرد على الإرادة والاختيار والتحكم الذاتي في فعل أمر ما أو التعبير عنه دون جبر أو إكراه من أحد،وقيل عنها في الفلسفة الأوربية”أنت حر مالم تضر” “وحريتي تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين”.
والقرآن الكريم جاء دعوة للتحرر من ربقة التقاليد
القديمة والمناهج والفلسفات العتيقة وهو ثورة عقلية جعلت من الإنسان في مبدأ التنزيل الحكيم حراً،لذلك تحرر المسلمون الأوائل فكريا
وعقليا وهذا ماجعلهم يحكون العالم في ذلك الوقت والزمان،
لكن الفلاسفة وعلماء الكلام الإسلاميون فيما بعد اختلفوا اختلافا كبيراً في النظر إلى حرية الإرادة وظهرت لذلك عدة فرق كلامية منها القَدرية والجبرية والمعتزلة والأشاعرة وغيرها.
والحرية عند فلاسفة اليونان القدماء تعني”قدرة الإنسان على فعل الأفضل” كما قال سقراط.. موسوعة الفلسفة( د.عبدالرحمن بدوي ١/٤٥٨)وهي “الخير المرتبط بالمعرفة” كما قال أفلاطون وهي “الإرادة الحرة والاختيار” مثلما قال أرسطو ..موسوعة الفلسفة( د.عبدالرحمن بدوي ١/٤٥٩)
كذلك فلاسفة عصر النهضة الأوربية اهتموا بحرية الإنسان وكرامته ، لابل! تحولت هذه الفلسفة الى واقع اجتماعي مشهود من خلال فلاسفة العقد الإجتماعي يعرّف توماس هوبز الحرّيّة بأنّها “انعدام العوائق أمام أيّ فعل يريد الإنسان تحقيقه” (إمام عبد الفتاح إمام، توماس هوبز فيلسوف العقلانيّة سلسلة الفكر المعاصر، ص، 421)
وقال باروخ سبينوزا “إنّ الحرّيّة الإنسانيّة من ثَمَّ، هي ببساطة مسألة قبول الكون، لأنّك تفهم ضروراته الرياضيّة. ومتى تمّ ذلك، ستحصل على سلام العقل، ستتحرّر من الانفعالات، وتكون قادرًا على أن تردّ الشرّ إلى الخير”. (مدخل إلى الفلسفة، جون لويس، دار الحقيقة، بيروت ص. 96 – 103)
وتستطيع فهم فلسفة جان جاك روسو عن الحرية في كتابه “العقد الإجتماعيّ” حيث يقول: “ولد الإنسان حرًّا وهو في الأغلال حيثما كان. ذاك يظنّ نفسه سيّد الآخرين، وهو ما انفكّ أكثرهم عبوديّة. ترى كيف حدث هذا التغيير؟ ذاك أمر أجهله. ما الذي يمكن أن يجعله مشروعًا؟ أظنّ أنّه بإمكاني حل ّهذه المشكلة”. (جان جاك روسو، العقد الاجتماعيّ أو مبادئ القانون السياسيّ، ترجمة بولس غانم، اللجنة اللبنانيّة لترجمة الروائع، بيروت 1972، ص، 11)
ويقول روسو:“التمييز النوعيّ الذي للإنسان عن الحيوان لا يقيمه الذهن بقدر ما يصنعه كون الإنسان فاعلاً حرًّا” (جان جاك روسو، أصل التفاوت بين الناس، ترجمة بولس غانم، اللجنة اللبنانيّة لترجمة الروائع، 1972، ص، 80)
وحرية الإنسان لاتكتمل
إلا في التعبير عن رأيه دون إكراه من أحد، وأفكار الإنسان بطبيعتها حرة حالها حال
الطيور المهاجرة فإذا حبسنا هذا الطيور واغلقنا عليها في قفص لن تكون حرة كما نعتقد،كذلك الأفكار البشرية جمالها في حداثتها وديمومتها في حريتها، فإذا حكمت على هذه الأفكار الحرة بالثبات اصبحت استاتيكية.
وحيث ان الأفكار البشرية
حرة لابد من قبول هذه الأفكار ومناقشتها وتحليلها يحتاج
منا الى منهج معرفي فالوعي بلا منهج يجعل العقل وما يقبله
من أفكار في مهب الريح وفي الحقيقة قبول الأفكار يكون وفق البنية الثقافية لكل واحد منا التي تأسست تراكميا من خلال الدين والعلم والثقافة والتجارب والخبرات وهذه (البنية التحتية) الثقافية موقعها العقل الذي من خلاله يتم تقييم وفلترة كل ما يصل إليه من خلال المشاهدات أو ما يتلقاه من مواقع التواصل الاجتماعي.



























