الصحوة – د. حمد بن ناصر السناوي
يقول أحد الزملاء ” في الأسبوع الماضي طرق أحدهم باب العيادة خلال الجلسة الاستشارية ، فتحت الباب وطلبت منه الانتظار حت يأتي دوره لان الجلسة لم تنتهي ، وبعد إنتهاء الجلسة طرق الباب مرة أخرى فسألته عن إسمه ولما أخبرني قلت له أن أسمه غير موجود في قائمة المواعيد لدى لذلك لن أتمكن من مقابلتة ، ابتسم لي قائلا ” دكتور أنا مش مريض ، أن الاخصائي النفسي الجديد، اردت مناقشة بعض الحالات معك ” إعتذرت له عن سوء الفهم وإقترحت له الانتظار حتى أفرغ من المريض التالي. تسأئلت و أنا اغلق الباب ” لماذا إستغربت عندما أخبرني أنه الاخصائي النفسي ؟ هل السبب صغر سنه ام تسريحة الشعر الافرو؟” .
كثيرا ما تؤثر الصوره النمطية التي نصنعها في مخيلاتنا و ربما تغذيها وسائل الاعلام على طريقة تعاملنا خلال حياتنا اليوميه مع الاخرين ، هذه الصور لا تقتصر على الأفراد بل تشمل الجنسيات ، فالمصري ” أبن نكته ” و البنغالي ” بتاع كله” والاسكتلندي بخيل ، وغيرها من الاستنتاجات التي نصنعها و نصدقها دون أن يكون لها أساس علمي أو حتى منطقي . بعض هذه الصور النمطية يشوبها شيء من العنصرية والأفكار المغلوطة وكثير منها تضعنا في مواقف نظلم فيها الاخر لمجرد قناعات مسبقة تشكلت في أدمغتنا دون سبب مقنع سوء الانجراف وراء أفكار صنعها الاخرون و تداولوها ربما من باب الدعابة أو محاولة الانتقاص من الاخر ، ولعل أسوأ هذه الصور النمطية تلك التي روج لها الاستعمار مثل فكرة تفوق العرق الأبيض على غيره من الاجناس البشرية والتي بسببها أباح لنفسة إستعباد باقي الشعوب بل والاتجار بهم .
الصور النمطية عبارة عن خصائص تفرض على مجموعات من الناس بسبب الجنسية أو العرق وغيرها من الصفات ، هذه الخصائص تميل إلى الإفراط في تبسيط المجموعات المعنية وتعميمها على جميع الافراد ضمن تلك المجموعات ، وحسب تعريف علم الاجتماع فان الصورة النمطية يمكنها أن تكون سلبية او إيجابية كما يمكن أن تكون واضحة أو ضمنية لا يعبر عنها الأشخاص بشكل صريح . تتنوع الأسباب التي تدفعنا إلى تشكيل الصور النمطية منها العادات و التقاليد و الثقافة التي يتوارثها أفراد المجتمع ويتناقلها الأبناء عن الإباء فالاطفال الذين تربوا في بيئة تنتشر فيها العنصرية عادة ما يتبنوا هذه الأفكار تحت منطلق من شب على شيءٍ شاب عليه ، كما تسهم المفاهيم النابعة من أساس ديني أو عرفي في تشكيل الصور النمطية والتي قد يصعب تغييرها ، مثل ذلك ما يعرف بالاسلاموفوبيا والتي تعني كراهية الغرب للاسلام والخوف منه بسبب الأفكار المغلوطة التي تربط الإسلام بالإرهاب والتمييز ضد المرأة ، ولا ننسى دور الاعلام في ترسيخ الصور النمطية مثل تجسيد الشخص المتدين بأنه إرهابي و أن الأشخاص ذوو البشرة السمراء مثلا أكثر ميلا للطرب والموسيقى والرقص ، وقد يتساءل البعض ، ما الضرر من انتشار الصور النمطية ؟ يخبرنا علم الاجتماع أن الصورة النمطية يمكنها أن تعيقنا من فهم الاخرين أو تكوين علاقات ناجحة معهم ، كما أنها قد تحصر الأشخاص في قوالب أعدها المجتمع مسبقا دون إتاحة الفرص ليمارس شغفه في الحياة ، فبعض النساء قد لا يحصلن على مراكز مجال تناسب مؤهلاتهن بدعوى أن المرأة عاطفية ولا تستطيع تحمل الضغوطات التي عادة ما تصاحب تلك المراكز ، كما أن بعض الوظائف مثل الطبخ والازياء وحتى وقت قريب كانت حصر على النساء لانها تجعل الرجال الذين يعملون فيها يبدون أقل رجولة.
السؤال الاخر ، كيف نقلل من تأثير الصورة النمطية ؟ تعتبر برامج التوعية من الطرق التي يمكنها التقليل من الصورة النمطية و تصحيح المصطلحات التي تعزز تلك الصور مثل كلمة عبد أو زنجي عند الحديث عن أصحاب البشرة السوداء ، أو كلمة مجنون أو سيكو للإشارة الى شخص مصاب بمرض نفسي ، كذلك دور الاعلام في تجنب تعزيز الصور النمطية من أجل الحصول على ضحكات الجمهور ، والحق يقال بأن الجيل الجديد من الشباب أثر تقبلا للاخر بعيدا عن الصورة النمطية السلبية، ولعل هذا الجيل يمكننا أن نعول عليه.




























