تعم الآن فرحة على الجميع، يقاسمها الصغيرُ الكبيرَ والعكس، تتلو البيوت آيات البشرى، وتزغرط بألوان من السعادة، يهنئ فيها الأعزب المتزوج والمتزوج الأعزب. يخرج الناس من منازلهم بعد أن كانوا محبوسين فيها لأيام أو لشهر كامل بالضبط، وتزدحم الشوارع بالسيارات في كل مكان… يا تُرى ما المناسبة التي جعلت كل هذا الانقلاب يحدث في أغلب البيوت؟ وما الفرحة العامرة التي لا تسعها وجوه الناس؟ وما الذي يدعو إلى الزغرطة والتهاني والتبريكات؟ إليك الإجابة أيها القارئ العزيز: إنها ليست فرحة احتفال باليوم الوطني المجيد، وليست فرحة إجازة العيد، ولا فرحة خفض سعر البترول … إنها فرحة بالأيام المجيدة لنزول رواتب الموظفين يا سادة!
لا أبالغ عندما أصف هذه الفرحة العامرة كأنها أفراح المناسبات السعيدة، نعم حتى تتأكدوا من ذلك اسألوا الآن أغلب الموظفين، تأملوا ارتياحهم وحالهم بعد نزول الرواتب، انظروا كيف تصبح الشوارع والأسواق والمجمعات بعد أن يحل السيد (راتب). إن قرار تقديم الرواتب يجيء – في أغلب السنوات- وفق حدوث مناسبات متتالية، وهو قرار عند أكثر الموظفين مريح مبدئيًا؛ إذ يحل كثيرًا من المشكلات الأسرية والاجتماعية والمالية بالطبع… ليتفاجأ الموظف (وهو لم يهنأ بالفرحة بعد) أن مشكلات أخرى قادمة بعد إنفاقه نصف الراتب أو كله، أولها أزمة التقشف ما بعد المناسبات، ليبدأ الفرح بالخفوت بعد أن كان مشتعلاً في بداية الشهر، وتصير الوجوه مكفهرة والعقول متحيرة من هول ما يحصل، كأن الموضوع جديد عليها!
فبعد انقضاء المناسبات يصبح أغلب الموظفين – في بداية الشهر أو في منتصفه بقليل – على الحديدة*، مما يضطرهم إلى إيجاد حل لهذه الأزمة المتكررة، فيلجأ بعضهم إلى الاقتراض والاستدانة وهو الحل الأقرب بالنسبة إليهم، في حين يعمد آخرون إلى التقسيط على نفسه وأسرته في المأكل والمشرب والخروج من المنزل وهذا أضعف الإيمان، وبعضهم يفتشون في حصالاتهم وحصالات أطفالهم، ولو كان في مقدورهم لفتشوا في حصالات جيرانهم (صناديق تجميع النقود)، وتحت خزانة ملابسهم وتحت أنقاض البيت؛ لعلهم يجدون ما يقضون به حالهم ويلمّون به شعثهم، ولا ننسى عيديات الأطفال التي تصبح الثروة المسلوبة في مثل هذه الأيام العصيبة السوداء… وراحت منك فلوسك يا ابني!
هل وصل الحال بنا أن نعرض حياتنا وحياة أسرنا إلى أزمة متكررة تدعى التقشف؟ أين الوعي بترتيب الأولويات وتنظيم الميزانية المالية ووضع خطة مجدولة قبل حلول الأزمة؟ أين ثقافة الادخار وتوفير مبلغ مالي لحالات الطوارئ كظرف احتياط لأي سبب قد يحدث لا سمح الله؟ أين المسؤولية في البحث عن بدائل لظروف محتملة معروفة ومتكررة في كل عام؟ لماذا نصر على المضي على الأسلوب القديم في المعيشة على الرغم من تغير الواقع المتسارع؟
إن أسئلة بسيطة كهذه، نطرحها على أنفسنا في بداية كل شهر، كفيلة أن تحل لنا مشاكلنا المادية التي قد تجر وراءها نتائج على الأسرة والمجتمع والعمل. إن جلسة واحدة في تنظيم الميزانية المالية في دقائق أو ساعات معدودة تضمن لنا حياة مستقرة أو تحفظ ماء وجوهنا على أقل تقدير، وهو أن يتفق الأسرة على التعامل مع الوضع بواقعية من خلال التقليل في مصروفاتهم والحد من الإسراف، وتحديد بدقة ما يحتاجونه وما لا يحتاجونه، وتوفير مبلغ مالي كاحتياط طوارئ. ومن المهم تقليل الخروج من المنزل والنزهات والتسوق وغيره. وأخيرًا، البحث عن معاش آخر إلى جانب راتب الوظيفة لأن الواقع يفرض علينا ظروفًا قد لا نرغب فيها، لكننا مضطرون على قبولها ومجاراتها لكي نعيش بتعفف وكرامة، ولنتجاوز أزمة التقشف بسلام.
إن اتباع طريقة التواكل والاتكالية في حل الأزمات طريقة فاشلة جدًّا، فتكالب الديون ليس من صالحنا أبدًا، وانتظار أن تمطر السماء علينا ذهبًا أمنية مستحيلة، وإهمال وضع خطة بالحلول مسبقًا لتفادي أزمة التقشف قبل حدوثها شر نحن في غنى عنه، وسؤال الناس أعطونا أو لم يعطونا مهانة وذل وخضوع، والحل الأمثل في قول الله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). ولنضع في الحسبان دائمًا أن نعيش واقعنا بواقعية تامة فبعض الظروف السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية لا نستطيع تغييرها بأيدينا ولكننا مسؤولون عن تغيير ظروفنا الخاصة، فالواقع الحقيقي يقول للموظف ورب الأسرة: ساعد نفسك بنفسك، فالجميع لديه مشاكل… والله يقول جل في علاه (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا).
ملاحظة: *على الحديدة: سياق من لهجتنا العمانية، يستعمل في التعبير عن حالة التقشف والحاجة التي يصل إليها الشخص بسبب قلة دخله وقلة موارده الأخرى.



























