الصحوة – لقيت ظفار عبر التاريخ اهتماما كبيرا من المؤرخين والباحثين والرحالة في عصور مختلفة، لكن جزاء كبيرا من ذلك التاريخ الضارب في القدم بقي مجهولا إلى سنة 1988 عندما أظهرت الاكتشافات بأن ظفار هي موطن أقدم حفريات في شبه الجزيرة العربية عاشت على المياه العذبة، وعلى اليابسة والتي يقدر عمرها بأكثر من 35 مليون سنة تقريبا.
وأكد الفريق العماني/ الفرنسي الذي أشرفت عليه وزارة الطاقة والمعادن أنه تم العثور على بقايا الحيوانات متحجرة منقرضة، في مناطق الاكتشاف غرب مدينة طاقة ومنطقة ثيتنتي في جبال المنطقة الغربية، وأهم هذه الحيوانات التماسيح والفيلة والقرود وحيوانات شبيهة بالكنغر الأسترالي. ويعتقد الفريق الباحث أن ظفار في تلك الأزمان كانت ذات أنهار وأشجار ولم يكن للبحر وجود آنذاك.
وقد عقدت بهذا الخصوص ندوة بجامعة السلطان قابوس تحدث فيها أعضاء الفريق عن هذه الاكتشافات الجيولوجية والأثرية في محافظة ظفار، وقالوا أنهم خلال هذه الرحلة الاستكشافية العلمية التمهيدية التي غطت مساحة كبيرة من الكليرمترات.
وقد أثبتت الفحوصات المختبرية أن هناك حيوانات غريبة يعود بعضها الى أجناس معروفة، وهذا يؤكد أن هناك بقايا حفريات لم تكن قد عرفت للبشرية في بعض المناطق من الكرة الأرضية.
وبهذه الاكتشافات تثبت ظفار أهميتها العلمية باحتوائها على دلائل مؤكدة عن أصل الحيوانات في العالم وكيفية انتشارها، إلى جانب غناها بثروة أثرية جيولوجية كبيرة وذات قيمة هامة وفق ما قرره الفريق المكتشف.
ظفار في العصور القديمة:
اكتسبت ظفار أهميتها في العالم القديم وعصور الحضارات المزدهرة، كالحضارات السومرية والفرعونية والبابلية والرومانية وغيرها من الحضارات والمشوب القديمة لوجود “اللبان” تلك الشجرة التاريخية الهامة في تلك العصور كما ورد في اللوحات القديمة والكتابات والرسوم نظرا لمكانة شجرة اللبان ومكانتها الثمينة حيث تعد مدينة سمهرم شرق ولاية طاقة التي تعود إلى الألف الأول قبل الميلاد، أحدى المدن الهامة التي بنيت بعد ظهور تجارة اللبان مع الحضارات القديمة، وتفوقت أهميته التصديرية للخارج.
ولما كان اللبان السبب الأكثر بروزا عبر التاريخ في شهرة ظفار في العالم القديم فقد شغلت مساحة حضارية هامة في التاريخ لكونها مصدرا أساسيا لهذه المادة إلى جانب مادة الصمغ أيضا، وكان أثره كبيرا على تطور تاريخ المنطقة .
وقد أثار ´´اللبان ´´ في ظفار اهتمام المؤرخين الأوائل وكتبوا عن هذه السلعة منذ عام 400 قبل الميلاد، بدءا من المؤرخ اليوناني الشهيرهيرودوت ثم بيليني وبطليموس وديودورس وسترابو وغيرهم..وهؤلاء جميعهم تركوا انطباعات واشارات. كما تقول المصادر التاريخية. عن أهمية اللبان وندرته في العالم، والتي كانت سببا في ازدهار المنطقة التي تحتكر انتاج اللبان
وقد شكل ميناء سمهرم مركزا بحريا هاما لتصدير اللبان إلى العالم القديم، بالإضافة إلى المراكز البرية المعروفة التي انتشرت على طول قوافل تجارة اللبان، كانت حضارات الشرق الأدنى تعتمد على ميناء سمهرم في جلب ما تحتاجه من اللبان اللازم لمعابدها.
ومن الطرق القديمة التي ورد ذكرها من المؤرخين والجغرافيين الأوائل، الطريق الذي يربط بين ظفار وشرق بلاد العرب حتى بلاد سومر في العراق. فالطريق البري يبدأ من ظفار غربا عن طريق النجد إلى جنوبي مدن الجزيرة العربية مثل شبوة وحضرموت، ثم شمالا إلى نجران حتى غزة، ويذكر لنا المؤرخ (سترابو) أن الرحلة البرية تسلك طريقا مباشرا عبر منطقة الربع الخالي.
وتذكر بعض المصادر التاريخية عن الجغرافي بطليموس أول من رسم خريطة لمنطقة ظفار ظهرت نسخ منها في القرن الثاني عشر الميلادي،من مصادر عربية وأوروبية تعكس رؤية بطليموس لجغرافية المنطقة، حيث وضح موقع تصدير اللبان سمهرم، ( خور ووري) وقد حدد بطليموس هذه المنطقة (ظفار) وسماه بـ (سوق العمانيين ).
والحديث الذي يدور عن العلاقات التجارية الواسعة مع ظفار لا يتضح إلا إذا عدنا ،كما يقول البروفيسور بوريس زاريتز ، إلى العصر الحجري الحديث حيث كانت هناك معابر الطرق التجارية وخاصة الربع الخالي، بدليل أن الأواني والمعدات التي تنتمي إلى العصر الحجري الحديث قد وجدت على طول المنطقة وفي كل بقعة من شبه الجزيرة العربية، ووجدت بقايا هذه الحضارة في محافظة ظفار وفي شال عمان وفي المناطق الداخلية من اليمن، وفي منطقة عسير. وعثر على نماذج من فنون الرسم من تلك الحقبة على جدران الصخور والكهوف.
ظفار في الكتابات الإسلامية
كتب بعض المؤرخين المسلمين عن مدينة (أوبار) وحددوا موقعها بشمال ظفار ومن هؤلاء نشران بن سعيد الحميري الذي يشير إلى أن أو بار كانت الاسم الذي يطلق على الأرض التي تملكها قبيلة عاد لكنها جفت بسبب فقدان المياه، وأن بها مباني عالية وكبيرة غطتها الرمال بفعل الرياح.
ويشير المؤرخ الطبري محمد بن جريي أبو جعفر (310-1295) الى أن أو بار منطقة ضربها الجفاف بينما يشير الكسائي إلى أن الرياح العاتية دمرت أو بار وهو ما ذكره القرآن الكريم عن قوم عاد.
ويعطينا ياقوت الحموي (626 -1228 م ) وصفا جغرافيا دقيقا عن المنطقة إذ يقول أن أو بار أرض واسعة وهي أرض خصبة للغاية وغنية بثروتها المائية، وبأشجارها الكثيفة بما في ذلك أشجار الفاكهة، وقد تعاظم ثراء الناس بسبب الخصوبة العالية للأرض.
إلا أن الآراء لم تستقر بعد بين المؤرخين حول ما إذا كانت أو بار هي أرض قوم عاد، وهل هي أرض واسعة أم مدينة محددة تقع في ظفار،لكن الدلائل وتأكيدات أغلب المؤرخين تؤيد أن ظفار هي أرض قوم عاد، وهذا ما أظهرته الكتابات والرسوم في الصخور والكهوف في بعض الأماكن والوديان في جبال ظفار.
وفي العصر الميلادي الأول بدأت تجارة البخور تقل عما كانت عليه في العصور السابقة لكن لم تتوقف تجار ته، وذلك نتيجة لعوامل تاريخية في العالم الروماني مما انعكس سلبا على الحضارة المزدهرة في المنطقة بسبب تراجع الإقبال على هذه التجارة، وبعد سقوط الدولة الحميرية في ظفار (سمهرم ) في القرن السادس الميلادي أي قبل وقت قصير من ظهور الإسلام، كما يقول الباحث س.ب مايلز، إلا أن ظفار الساحل (ويقصد مرباط ثم البليد) اعتمرت في التوسع والازدهار. وبعد عامين من وفاة الرسول صلى الله عليه وملم زار الصحابي عكرمة بن أبي سفيان ظفار قادما من بعض المناطق في عمان موفدا من الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بهدف تثبيت الدعوة الإسلامية واخماد بعض الفتن وتهدئتها، ويقال إن الصحابي عكرمة جاء ظفار عن طريق الساحل، إلا أن البعض يقول أنه جاء عن طريق النجد والجبال وقد عبر الصحراء التي تفصل بين المنطقتين
وتعد منطقة شصر الأثرية أحد المواقع المشورة في كتابات المؤرخين وتبعد 160 كيلومترا من مدينة صلالة في النجد على الجانب الجنوبي لصحراء الربع الخالي، وسميت بأسماء عديدة الأشهر منها وبار أو أو بار كما يعتقد بعض الباحثين.
وقد أورد كتاب “الأنساب” للعوتبي ” معلومات عن أو بار تعتمد على نسابة العرب السابقين ويذكر بأنها من منازل ´بنو سام…وكانت أخصب بلاد العرب.
كما أورد شيخ الربوة الدمشقي ( توفي 727/ 1327م ) فقال ان “أو بار” إذا دنا الإنسان منها رأى خصبا كثيرا وكروما ونخلا وعيونا فإذا أراد الدخول إليها حثا وجهه التراب بقوة وإذا أبى إلا الدخول انصرع وخنق .
المصدر : مجلة نزوى



























