الصحوة – علي الحداد
في خرائط العالم ممراتٌ كثيرة، لكن قليلًا منها يحمل من المعاني أكثر مما يحمل من السفن. ومضيق هرمز واحدٌ من تلك الأماكن التي لا تشبه نفسها فقط، بل تشبه العالم كله، شريطٌ ضيق من الماء، تتسع فوقه مصالح الأمم، وتعبر خلاله شرايين التجارة والطاقة، وتنعكس على صفحته نبضات الاقتصاد العالمي من أقصاه إلى أقصاه.
وليس كل نبضٍ يُسمع في الصدور. فثمة نبضاتٌ أخرى تختبئ في خرائط العالم، وإذا اضطربت ارتجف معها ما هو أبعد من حدود الجغرافيا. وكان مضيق هرمز واحدًا من تلك النبضات التي يصغي إليها العالم بصمت، لأن ما يعبر فوق مياهه ليس السفن وحدها، بل تعبر معه الطمأنينة أيضًا.
وفي اللحظات التي تثقل فيها التوترات كاهل البحار، وتصبح الممرات المائية مرآةً لقلق السياسة، تبرز قيمة الدول التي لا تكتفي بقراءة الجغرافيا، بل تحسن إدارة مسؤولياتها. ومن هنا جاءت الخطوة العُمانية، لا كإجراءٍ ملاحي عابر، ولا كتدبيرٍ فني مؤقت، بل كفصلٍ جديد من مدرسةٍ سياسية آمنت طويلًا بأن الاستقرار لا يُصنع بالضجيج، وإنما بالحكمة التي تعمل بصمت، وبالخطوات التي تسبق الحاجة إليها قبل أن تفرضها الظروف. وهي المدرسة ذاتها التي تمضي في ظل الرؤية الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ حيث يلتقي الاتزان بالمسؤولية، ويتحول الحوار إلى نهجٍ راسخ في إدارة العلاقات وبناء الاستقرار وصون المصالح المشتركة.
فقد أدركت سلطنة عُمان، كما أدركت دائمًا، أن هذا المضيق ليس مجرد ممرٍ تعبره السفن، إنه شريانٌ تتدفق عبره مصالح البشر، وأن أي اضطراب فيه لا يتوقف عند حدوده الجغرافية، بل تمتد أصداؤه إلى الموانئ البعيدة، والأسواق المترقبة، وإلى حياة الملايين الذين ترتبط مصالحهم اليومية بحركة التجارة والطاقة عبر هذا المعبر الحيوي.
وفي الأفق كانت جهود التهدئة تفتح نافذةً للأمل، وكانت المنطقة تبحث عن مساحةٍ تتقدم فيها الحكمة على التوتر. وحين بدأت السياسة تفتح تلك النافذة، سعت عُمان إلى أن تمنح الأمل شكلًا عمليًا يمكن رؤيته على صفحة الماء.
وفي هذا المسار، جسّد معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية النهج العُماني الذي يرى في الحوار بداية الطريق لا نهايته. فالتفاهمات، في الرؤية العُمانية، لا تُقاس بما يُقال حولها، بل بما تتركه من أثرٍ في الواقع. ومن هنا جاءت الخطوات التي منحت التهدئة امتدادها العملي، وحولت الأمل إلى واقعٍ ملموس يتجاوز حدود التفاهمات إلى مصالح الناس وحركة العالم.
ولهذا، وتحركًا من مسؤوليتها تجاه أمن الملاحة واستقرار الاقتصاد العالمي، عملت سلطنة عُمان بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية على إتاحة خيار استخدام ممرٍ بحري مؤقت وآمن للسفن، وفق ترتيباتٍ مهنية وقانونية واضحة، تنسجم مع أحكام القانون الدولي وقانون البحار، وتحفظ حرية الملاحة، وتبقي هذا الشريان العالمي مفتوحًا أمام حركة التجارة والطاقة دون رسومٍ أو أعباءٍ إضافية تعترض طريقه.
ولم يكن جوهر المبادرة رسمَ خطٍ جديد فوق الماء، وإنما ترسيخُ معنى أعمق، أن البحار ينبغي أن تبقى فضاءاتٍ للتواصل لا ساحاتٍ للقلق، وأن الممرات البحرية خُلقت لتصل بين الأمم لا لتفصل بينها، وأن حرية الملاحة التي كفلتها المواثيق الدولية ليست مجرد نصوصٍ تُقرأ، بل مسؤوليةٌ تُمارس، والتزامٌ يُترجم إلى أفعالٍ تحمي الاستقرار حين يكون في أمسّ الحاجة إلى الحماية.
وفي خلفية المشهد، كانت أصداء التفاهمات التي أفسحت المجال لخفض التوتر تمنح البحر فرصةً لالتقاط أنفاسه. غير أن التفاهمات وحدها لا تكفي ما لم تجد من يحولها إلى واقعٍ ملموس. وهنا تجلت المدرسة العُمانية التي اعتادت أن تبني الجسور بعد الحوار، وأن تمنح الدبلوماسية شكلًا يمكن للعالم أن يراه ويلمس أثره. فحين نجحت السياسة في تهدئة الموج، جاءت هذه الخطوة لتؤمن مسار الإبحار فوقه.
ولأن عُمان تعرف البحر كما تعرف تاريخها، فقد أدركت أن سلامة السفن ليست شأنًا بحريًا، بل سلامة التجارة والطاقة والثقة التي يقوم عليها جزءٌ مهم من استقرار العالم. لذلك بدا هذا الممر المؤقت وكأنه رسالة طمأنينة تمتد فوق الماء، تخاطب العالم بلغةٍ يفهمها الجميع .. لغة الاستقرار.
ومن بين أمواج هرمز، برزت القيم التي شكّلت النهج العُماني عبر العقود، الثقة التي تُبنى بالمصداقية، والمسؤولية التي تتحرك قبل أن تُستدعى، والسلامة التي تضع الإنسان والمصالح المشتركة في قلب الاهتمام، والإنسانية التي ترى أن أمن البحار ليس شأنًا محليًا، إنما مصلحةً عالمية مشتركة.
ولعل أجمل ما في هذه الخطوة أنها جاءت على الطريقة العُمانية المعهودة، هادئةً كالبحر حين يكون واثقًا من عمقه، وواضحةً كمنارةٍ تعرف السفن طريقها إليها في الليالي الصعبة. فلا ضجيج فيها يطلب التصفيق، ولا استعراض فيها يبحث عن الأضواء، إنها ثمرةُ فهمٍ عميق لمعادلةٍ أثبتت الأيام صحتها مرارًا .. أن الاستقرار يولد حين تلتقي الحكمة بالمسؤولية، وحين تتحول الجغرافيا من مصدرٍ للتوتر إلى جسرٍ للطمأنينة.
وهكذا، لم تكتفِ عُمان بتهيئة مناخ التهدئة، بل حوّلت التهدئة نفسها إلى مسارٍ عملي يعبر فوقه العالم. لم تكتفِ بصناعة المسافة التي يلتقي عندها المختلفون، بل مضت خطوةً أبعد، فجعلت من التفاهم واقعًا يمكن للسفن أن تبحر فيه، وللتجارة أن تعبر من خلاله، وللاقتصاد العالمي أن يطمئن إلى استمراريته.
ولذلك، تجاوزت الدبلوماسية العُمانية حدود تهيئة ممرٍ بحري مؤقت، فتحوّل الحوار إلى حركة، والتفاهم إلى طريق، والأمل إلى واقعٍ ملموس على صفحة الماء. وفي ذلك تتجلى القيمة الحقيقية للدبلوماسية؛ فليست مهمتها أن توقف العاصفة فقط، بل أن تفتح بعد هدوئها طريقًا آمنًا للحياة.
وهكذا مضت السفن في طريقها عبر هرمز، ومضى معها شيءٌ من طمأنينة العالم. فالحكمة لا تكتمل عند طاولة الحوار، بل تكتمل حين تتحول إلى عملٍ يطمئن الناس ويحفظ المصالح ويمنح الاستقرار فرصةً للحياة. وتلك هي الرسالة التي حملتها عُمان إلى البحر والعالم معًا .. أن السلام، كما الملاحة، يحتاج دائمًا إلى من يفتح له الطريق.



























