الصحوة- د. حمد بن ناصر السناوي
ذات مساء قام أحد المعارف بإرسال رسالة صوتية عبر الواتس اب يطلب إستشارة نفسية فأجبته بأننى لا أقدم إستشارات نفسية عبر الواتس أب ، كما أن الوقت خارج ساعات العمل الرسمي ، وإذا كان الموضوع طارئ يمكنه الذهاب إلى المستشفى حيث يتواجد الطبيب النفسي المناوب ، لم يعجبه ردي فأرسل لي صور لطبيب يمني كتب على سيارته “أنا طبيب ، أوقفني إذا كنت تحتاج إلى استشارة”.
تعودنا أن الحدود عادة ماتكون بين الدول فنسمع و نقرأ في وسائل الاعلام عن إتفاقيات ترسيم الحدود بين دولتين جارتين ، لكن كيف يمكن ترسيم الحدود بين الأفراد؟
تعتبر الحدود في التعامل بين الأفراد من أساسيات السلوك الاجتماعي و رغم أن هذه الحدود عادة ما يتعارف عليها الأفراد و تختلف حسب المجتمع والثقافات ، فعلى سبيل المثال يلتزم الأفراد بتحديد موعد قبل زيارة الأقارب و إخطارهم مسبقا إذا كنت ستبقى لتناول طعام الغداء او العشاء معهم بينما في معظم المجتمعات العربيه يمكنك أن تزور أحدهم دون سابق موعد و ربما يدعوك لتبقى لتناول العشاء و ربما يزعل منك إذا رفضت الدعوة ، وكما ذكرت في بداية المقال عندما شرحت للاخ طالب الاستشارة حدود العمل والذي يجب أن يكون خلال ساعات الدوام الرسمي و بالطرق المعتمدة إتهمني بالتقصير في تقديم خدمه يعتبرها من حقه ، ناسيا أن المساء هو وقت الاسرة.
في علم النفس يتم تعريف الحدود الشخصيه بالخطوط التي نرسمها لانفسنا عندما نتعامل مع الاخرين فيما ويمكن تقسيمها الى حدود الاتصال الجسدي كأن لا تشعر بالراحة في معانقة شخص غريب ، أو التفاعلات اللفظية فلا ترغب أن يتحدث إليك صديق أو أحد أفراد العائلة في موضوع شخصي جدا ، أو المساحة الشخصية كأن تختار من يمكنه زيارتك في منزلك أو الدخول الى غرفتك الخاصه.
و يعتبر رسم الحدود من أساسيات التعامل بين الافراد في بيئة العمل ، فالهرم الوظيفي يحد دور المدير و مساعديه و باقي الموظفين ، الحدود أيضا تقرر الواجبات التي يجب أن يقوم بها الموظف ظمن مركزه و خبرته والمسمى الوظيفي الذي يحمله و كذلك ساعات العمل حسب العقد المبرم بينه و بين الشركة، كما ترسم الحدود طرق التعامل بين الموظفين من الجنسين حسب تعاليم الشرع والتقاليد الاجتماعية المتعارف عليها ، أما على المستوى الشخصي فرغم أن البعض يعبر إحترام البعض من البديهيات المتعارف عليها الى أن البعض ربما يتجاوز تلك الحدود إعتقادا منه بان ذلك حق من حقوقه فتجده يتدخل في حياتك الخاصة و يحاول أن يفرض عليك شريك حياتك لمجرد أنه من أقربائك ، أو ينتقد الأثاث في منزلك لانه – حسب نظره- لا يتناسب مع مركزك الاجتماعي ، أو يتدخل في تربيتك لابنائك لانه يجد نفس أكثر دراية بالعادات والتقاليد الاجتماعية ، أما على صعيد منصات التواصل الاجتماعي فقد يجد البعض صعوبة في رسم حدود العلاقات ربما لانك لا ترى الطرف الاخر ولا تستطيع قراءة تعبيرات وجهه اذا ما تجاوزت عباراتك حدود العلاقة التي تجمعكما ، او ربما لان تواجد الطرف الاخر على برنامج التواصل يشعرك بأنه يجب أن يرد عليك في نفس اللحظة التي أرسلت له فيها و كأنك تخاطبه وجها لوجه ، ناسيًا انه قد يكون جالس مع أسرته أو منشغلا بعمل ما ، فتعتبر سلوكه ذلك فظا و غير مناسب في حقك ، لذلك نجد أن بعض العلاقات الافتراضية لان تدوم لان بعض الأشخاص لا يستطيع تقبل حدود الاخرين أو تفهمها.
ختاما ، فان كنا تعودنا أن نسمح للاخرين بتخطي الحدود الى درجة ما خوفا من أن نغضبهم ، أو رغبة منا في التعامل بطيبة مع الاخرين الا أن هذا السلوك قد يدخلنا في متاهات و يجعل علاقتنا بالاخرين مصدر للضيق والالم.


























