حصريٌّ لـ«الصحوة» – أعاد الحكم الصادر في قضية شراء أصوات ناخبين والإساءة إلى أحد المترشحين لعضوية مجلس الشورى تسليط الضوء على واحدة من أكثر الزوايا حساسية في العملية الانتخابية؛ وهي حماية إرادة الناخب من التأثير غير المشروع، وضمان ألا تتحول المنافسة بين المترشحين إلى سوق للأصوات أو مساحة لتشويه السمعة والتأثير في النتائج بوسائل غير قانونية.
وكشفت تحقيقات الادعاء العام في القضية عن مسارين مختلفين، يلتقيان عند هدف واحد هو التأثير في المنافسة الانتخابية؛ تمثل الأول في نشر مقطع مرئي عبر وسائل التواصل الاجتماعي تضمّن إساءة إلى أحد المترشحين والتشكيك في أهليته وقدرته على أداء مهام عضوية مجلس الشورى، فيما تمثل المسار الثاني في رسائل متبادلة تضمنت اتفاقًا على شراء أصوات ناخبين لصالح أحد المتهمين.
وتكشف هذه القضية أن حماية الانتخابات لا تبدأ في يوم التصويت وحده، وإنما تمتد إلى كل ما يسبق الاقتراع من ممارسات وخطابات واتفاقات قد تؤثر في حرية الناخب أو تكافؤ الفرص بين المترشحين، وهو ما عالجه قانون انتخاب أعضاء مجلس الشورى الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (2023/54) من خلال منظومة من الضوابط والعقوبات.
▪️شراء الأصوات.. جريمة تمس إرادة الناخب
يضع القانون خطًا فاصلًا بين الدعاية الانتخابية المشروعة ومحاولات استمالة الناخب بمقابل. فالمادة (35) أجازت للمرشح القيام بالدعاية الانتخابية للتعريف بنفسه خلال الفترة الممتدة من إعلان القوائم النهائية للمرشحين حتى اليوم السابق ليوم التصويت، على أن تخضع الدعاية للقواعد والوسائل والإجراءات التي يحددها قرار وزير الداخلية.
وفي المقابل، تعامل القانون بصرامة مع أي منفعة تُقدَّم للناخب مقابل صوته. إذ نصت المادة (56) على معاقبة كل من يعطي ناخبًا، أو يلتزم أو يتعهد بأن يعطيه، فائدة لنفسه أو لغيره مقابل صوته في الانتخاب، بالسجن مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن ألف ريال عُماني ولا تزيد على ثلاثة آلاف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
ولا تقتصر المسؤولية وفق المادة ذاتها على من يقدم المنفعة مباشرة، بل تمتد إلى كل من سهّل الفعل أو حرّض عليه أو توسط فيه، بما يغلق المجال أمام استخدام وسطاء لإدارة عمليات شراء الأصوات أو إبعاد المترشح عن التواصل المباشر مع الناخبين.
ويرتبط ذلك بما ورد في القضية من اتفاق بين اثنين من المحكوم عليهم على شراء أصوات الناخبين بقصد ترجيح كفة أحدهما في انتخابات الفترة العاشرة لمجلس الشورى؛ وهي ممارسة لا تُعد مجرد مخالفة انتخابية عابرة، بل اعتداءً على جوهر الاقتراع القائم على الاختيار الحر للناخب.
▪️عقوبة أشد عندما يكون القصد تغيير النتيجة
يفرّق القانون بين تقديم فائدة لناخب مقابل صوته، وبين شراء الأصوات بوصفه سلوكًا منظمًا يراد منه التأثير في نتيجة الانتخاب. فقد نصت المادة (57) على عقوبة أشد تصل إلى السجن من سنة إلى ثلاث سنوات، والغرامة من ثلاثة آلاف إلى عشرة آلاف ريال عُماني، أو بإحدى هاتين العقوبتين، لكل من يشتري أصوات الناخبين بقصد التأثير على نتيجة الانتخاب.
وتكشف صياغة المادة أن التجريم لا يتعلق فقط بوجود مقابل مالي، بل يرتبط كذلك بالغاية من الفعل، وهي توجيه النتيجة الانتخابية بوسيلة لا تعكس الإرادة الحقيقية للناخبين. ولذلك جمع النص بين شراء الأصوات وممارسات أخرى تمس سلامة الانتخابات، من بينها العبث بالأنظمة الإلكترونية، والتأثير على إرادة الناخب بالإكراه أو التهديد، والإخلال بسير العملية الانتخابية.
كما قررت المادة (58) معاقبة الشروع في الجرائم الانتخابية بالعقوبة المقررة للجريمة التامة، ما يعني أن عدم اكتمال عملية شراء الأصوات أو عدم تحقق النتيجة المستهدفة لا يعفي من المسؤولية متى بدأت الأفعال التنفيذية للجريمة.
▪️الإساءة إلى المترشحين ليست دعاية انتخابية
أما المسار الآخر في القضية، فيتعلق بالمقطع المرئي الذي تضمن إساءة إلى أحد المترشحين والتشكيك في قدرته وأهليته لعضوية مجلس الشورى. وقد أدين المتهمان عن هذا الفعل بجنحة استخدام وسائل تقنية المعلومات في التعدي على الغير بالسب، وفق المادة (16) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
ورغم أن الإدانة في هذا الجانب استندت إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، فإن قانون انتخاب أعضاء مجلس الشورى يتقاطع معه عندما يكون المحتوى المنشور مرتبطًا بالعملية الانتخابية ومقصودًا به التأثير في نتيجتها.
فالمادة (57) من قانون الانتخاب جرّمت نشر أو إسناد واقعة غير صحيحة إلى أحد المرشحين بقصد التأثير على نتيجة الانتخاب، وقررت لها العقوبة ذاتها المقررة لشراء الأصوات، التي تصل إلى السجن ثلاث سنوات والغرامة عشرة آلاف ريال.
وهنا تظهر دقة التمييز القانوني بين النقد الانتخابي المشروع وبين التشهير أو نشر الوقائع غير الصحيحة. فالقانون لا يمنع مناقشة برامج المترشحين أو تقييم أدائهم أو قدراتهم، لكنه يتدخل عندما يتحول الخطاب إلى سب أو إساءة أو إسناد وقائع غير صحيحة بقصد التأثير في الناخبين والإضرار بأحد أطراف المنافسة.
وبذلك، لا تمنح البيئة الرقمية حصانة لمن يستخدمها في الإساءة إلى المترشحين، كما أن إعادة النشر أو إنتاج المقاطع المرئية أو تداول الادعاءات لا يخرج هذه الأفعال من نطاق المساءلة متى استوفت عناصر الجريمة المنصوص عليها في القوانين النافذة.
▪️حماية متساوية للناخب والمترشح
يُظهر القانون أن نزاهة الانتخابات تقوم على حماية طرفين في الوقت ذاته: الناخب من شراء صوته أو التأثير على إرادته، والمترشح من الاستهداف غير المشروع أو تشويه سمعته بوقائع غير صحيحة.
فالانتخاب، وفق المادة (2)، حق شخصي للناخب، لا يجوز فيه الإنابة أو التوكيل، ولا يملك الناخب الإدلاء بصوته إلا مرة واحدة في الانتخاب الواحد. كما تقرر المادة (3) إجراء الانتخابات بالاقتراع العام السري المباشر، وهي مبادئ تفقد معناها إذا أصبح الصوت الانتخابي خاضعًا للمقابل المالي أو الضغط أو التضليل.
ومن هذا المنطلق، لا ينظر القانون إلى شراء الأصوات باعتباره اتفاقًا خاصًا بين مترشح وناخب، لأن أثره يتجاوز طرفي الاتفاق إلى جميع المترشحين والناخبين، ويخل بمبدأ تكافؤ الفرص ويمنح المال أو النفوذ قدرة على إعادة تشكيل النتيجة الانتخابية.
وبالمثل، فإن نشر معلومات غير صحيحة عن مترشح لا يمس سمعته وحدها، بل قد يحجب عن الناخب فرصة اتخاذ قراره استنادًا إلى معلومات صحيحة، ويحوّل وسائل التواصل الاجتماعي من فضاء للتعريف بالبرامج الانتخابية إلى أداة للتضليل أو الإقصاء.
▪️مسؤولية لا تلغيها القوانين الأخرى
أكدت المادة (53) من قانون انتخاب أعضاء مجلس الشورى أن العقوبات الواردة فيه لا تخل بأي عقوبة أشد منصوص عليها في قانون آخر. وتفسر هذه القاعدة إمكان خضوع الأفعال المرتبطة بالانتخابات لأكثر من نص قانوني بحسب طبيعتها؛ فقد يشكل الفعل جريمة انتخابية، وفي الوقت ذاته يندرج تحت أحكام قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات أو غيره من القوانين.
كما منح القانون، بموجب المادة (60)، صفة الضبطية القضائية للموظفين أعضاء اللجان الانتخابية وغيرهم من الموظفين القائمين على سير العملية الانتخابية، فيما يتعلق بالجرائم المنصوص عليها في القانون، بما يعزز القدرة على رصد المخالفات وضبطها خلال مختلف مراحل الانتخابات.
وتؤكد الأحكام المنظمة للانتخابات أن نزاهة مجلس الشورى تبدأ قبل وصول أعضائه إلى مقاعدهم؛ تبدأ من صوت يُمنح بحرية، ومنافسة تُدار بعدالة، ومعلومة تصل إلى الناخب من دون تضليل، ونتيجة تعبر عن اختيارات المجتمع لا عن المال أو التشهير أو التأثير غير المشروع.





























