رحمة بنت صالح الهدابية
كم هو رائع وجميل أن نقوم بكتابة لحظات وتفاصيل من حياتنا وتوثيقها؛ لنعرف من خلالها كيف نقضي هذا اليوم، وفيما نقضيه، وما علينا أن ننجزه فيه من أعمال وواجبات، وما علينا تجنبه والابتعاد عنه من تصرفات وسلوكيات قد تعكر صفاء يومنا وجماله.
إن أجمل شيء في عالم التوثيق، أن تبادر النخب المثقفة في المجالات كافة بكتابة وسرد قصص حياتها على هيئة مذكرات، أو كتب مطبوعة، أو كتابة تاريخ المؤسسة التي انتموا إليها أو حتى تاريخ البلد الذي نشأوا وترعرعوا فيه، اعتبارًا أن هذا التوثيق يعد شاهدًا على كفاحهم ونجاحهم في هذه الحياة، وفي الجانب الآخر يعد إرثًا تاريخيًّا ثمينًا للأجيال اللاحقة يرجعون إليه متى دعت الحاجة لإثبات صحة الأخبار والأحداث من عدمها.
فالتوثيق لا يعني أن يقوم هذا النخبوي أو المثقف بكتابة تفاصيل حياته اليومية بكل حيثياتها الدقيقة، وإنما كتابة خلاصة التجارب التي خرج بها من كل مرحلة من مراحل حياته العمرية لما ستشكله هذه التجارب من دروس وعبر يستفيد منها النشء في المستقبل، فهنالك فرق شاسع وكبير بين أن تقرأ كتابًا ألفه الكاتب بنفسه يسرد فيه قصة حياته وأهم التجارب الناجحة والفاشلة التي مر بها؛ لتفهم – بصفتك قارئ- أبعاد هذه الشخصية والعوامل التي لعبت في تغيير هذه الشخصية وما الأسباب الحقيقية وراء نجاحها، وتطّلع عن كثبٍ إلى أهم التفاصيل واللحظات الصغيرة التي عاشها الكاتب وساهمت إلى حد كبير في تشكيل شخصيته وبلورة فكره، وفرق بين أن تقرأ كتابًا كتبه كاتب آخر يذكر فيه قصة هذا الشخص بعد وفاته بسنين طويلة لتغيب عنه أهم التفاصيل المهمة التي لو كتبها هذا النخبوي بنفسه ستخرج أكثر وضوحًا منه.
إننا عندما نهتم بالتوثيق كعلم أو فن فإننا نهتم بتاريخ له دور في تشكيل الحاضر والمستقبل، لذلك لابد من التركيز على ماهية التوثيق والتعرف أكثر على أبعاده المنسية التي لو تم الأخذ بها بصورة أكبر لأدت إلى :تقليل الهوة أو الفجوة بين الأجيال، وبناء الحاضر والمستقبل بصورة سليمة بناءً على أسس ومرتكزات ثابتة ومتينة، والاهتمام بإرث البلد وتاريخه وعدم الخوف من سرقة التاريخ أو تزويره لوجود المعلومات الكافية التي تدحض أكاذيب الآخرين وافتراءاتهم.
وفي ظل عصر العولمة وتسارع الأيام والأحداث فيه، بات التوثيق ضرورة ملحة، ولزامًا على أصحاب الشأن الاهتمام به وأخذه بعين الاعتبار لما يمثله من هوية وكيان لأبناء أي بلد يفخرون ويفاخرون بما ورثوه من آبائهم وأجدادهم من تاريخ ومجد تليد.


























