نورة المالكية
قال أحدهم: “من إحدى مكائد الطفولة أنك لا تفهم بالضرورة ما تعانيه، وحين تبلغ سن الرشد يفوت الأوان على مداواة جرحك”.
إلى الطفلة التي كانت تحاول مساعدة أمها في المركز الصحي لكنها اصطدمت بأم متعجرفة أقامت عليها الدنيا ولم تقعد، بسبب خطأ بسيط فجاءت يدها مثل قنبلة نووية تضرب بها ظهر الفتاة الصغيرة التي لم تتجاوز العشر سنوات، فنسمع – نحن جماهير المركز الصحي – مفاجأة دوي القنبلة والصراخ البغيض من يد ولسان أم قاسية على فتاتها الصغيرة لأنها فقط لم تنبه أمها ففات دور دخولهن إلى غرفة العلاج! إعتذار خجول لطفولتك المغتصبة ولأنك سقطت تحت يد أم إرهابية، وآسفة جدًّا جدًّا فقد أخليتُ نفسي من مسؤولية التدخل لسبب بسيط: من أنا لأدافع عنك!
إلى الطفل الذي يتوسل عند المطاعم المكتظة ليلاً، الذي علموه بإتقان كلمات التسول وتأليف قصة من أجل حفنة من المال.. اعتذارٌ مجروحٌ لطفولتك المهدورة وغضبٌ جم لمن دفعوك بلا ضمير ولا إحساس لتُلقي بنفسك في مهالك كبيرة الله يعلم ماذا سيحدث لك لولا عنايته لروحك البريئة!
إلى الطفل البريء وجهًا والمفعم طفولةً رغم مرض السرطان، الذي حين سألته: هل أنت بخير؟ قالها بلسان طفلٍ عفويٍّ متوجعٍ لا يكذب أبدًا: “لا لستُ بخير”، إليك يا حبيب الله سلامه وعافيته على جسدك، واعتذارٌ قاصر جدًّا ليس بيده حيلة؛ لأن السرطان اختارك وأنتَ طفلٌ جميلٌ تحب الحياة!
إلى الطفل المشاغب الذي لم يتجاوز السنة والنصف، ففاجأته أمُّه على حين غرة بإنجاب طفل غيره، يحرس مكانه في الحضن والحُجْر واليد، فلم يجد حصته الكافية من نصيب أمه؛ فهرع يخرب هذا ويركض إلى ذاك ويضرب هذا ويلقي بذاك.. أنا حقًّا أعتذرُ بحرقة على طفولتك المُتشردة والمُهملة، وعتابٌ مليء بالغضب لن تسمعه أمك (الولود) التي لا تفكر سوى في زيادة أعداد من الخراب والدمار، والطفولة المُهدرَة!
إلى الطفلة ذات الخامسة عشر، في الجزء المجاور من منطقتنا، التي حين انتبهَتْ إلى الدنيا ما رأتْ إلا والدها المدمن الذي يضرب أمها المستضعفة ويضرب أخوتها، ثم ما لبث بهؤلاء الوالدين الفقراء عقلاً وضميرًا إلا أن يزوجوك لمن يكبر عنك بعشرين سنة؛ طامعًا والدك الشحيح في المال، واعتقادًا من أمك الجاهلة أن هذا الزواج سيحميك من عنجهية أبيك! أي دمار لطفولتك المسلوبة، وأي تفكيرٍ جاهلي من أمك، وأي خسةٍ من هذا الأب الضعيف.. إعتذارٌ لا يصل لكنه إعتذارُ الثائرين على قوانين المجتمع البالية والقاضي المجرم الذي شارك في الجريمة …
إلى كل أطفال العالم، وريحانة الحياة وبهجتها، إعتذارٌ عاجلٌ ووردةٌ ذبلتْ من هول ما نشاهد من طفولتكم المقتولة والمسمومة والمعدومة من أيادٍ جبّارة وقلوب حاقدة لم تجد لها رادعًا فعاثت في البراءة وأبدلتَها دم وألم ومرض.. وأنا أعرف أن كل ما قلته لا يكفي لكنها حيلة الضعيف!


























