الصحوة – المهندس أحمد النقبي
يعاني سوق العمل العماني، شأنه شأن العديد من دول المنطقة، من ارتفاع معدلات الباحثين عن عمل، خاصة بين الشباب الخريجين. هذا الوضع يولد حالة من اليأس والإحباط لدى فئة عريضة من المجتمع، ويؤثر سلبًا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. يأتي هذا المقال كمحاولة لتناول أسباب هذه المشكلة والنظر فيها من عدة زوايا، وطرح مجموعة من الحلول الجذرية والعاجلة التي من شأنها أن تساهم في حل هذه المشكلة المعقدة وتوفير فرص عمل للشباب العماني.
أسباب ارتفاع معدلات الباحثين عن عمل
تعددت الأسباب التي أدت إلى ارتفاع معدلات الباحثين عن عمل في سلطنة عمان، ومنها:
1. النمو السكاني السريع:
أدى الارتفاع الكبير في عدد السكان، خاصة الشباب، إلى زيادة الطلب على فرص العمل بشكل يفوق القدرة على توفيرها في ظل السياسات الحالية المتبعة في سوق العمل.
2. التوسع في التعليم العالي:
شهدت السلطنة توسعًا كبيرًا في التعليم العالي، مما أدى إلى زيادة عدد الخريجين دون توفير فرص عمل كافية لهم.
3. اعتماد الاقتصاد على النفط:
يعتمد الاقتصاد العماني بشكل كبير على عائدات النفط، مما يقلل من تنويع الاقتصاد وخلق فرص عمل في القطاعات الأخرى.
4. أزمة كورونا:
أدت جائحة كورونا إلى تراجع النشاط الاقتصادي العالمي، مما أثر سلبًا على سوق العمل في سلطنة عمان.
الحلول المقترحة
لمواجهة هذه المشكلة، نجد أنه من الضروري تبني استراتيجيات جديدة عاجلة، وعلى المعنيين اتخاذ مجموعة من الإجراءات العاجلة والجذرية، منها:
1. تفعيل عملية إحلال فوري للعديد من الوظائف والمهن في القطاعين العام والخاص:
أحد الحلول الجذرية لمشكلة البطالة هو تفعيل عملية إحلال فوري للعديد من الوظائف والمهن في القطاعين العام والخاص. وهذا يعني استبدال العمالة الوافدة بالعمالة الوطنية، وتوفير فرص عمل للشباب العماني. وضع برنامج تدريب على رأس العمل لكل وظيفة يتم اعتمادها من وزارة العمل وجهات العمل المختلفة من شأنه أن يجسر الهوة بين قلّة الخبرة ومتطلبات الوظيفة، مما يسهل عملية الإحلال بشكل منظم. قد يواجه هذا الحل بعض التحديات، ولكن فوائده على المدى الطويل تفوق بكثير تكاليفه.
2. سن قوانين ملزمة بمنح الأولوية للأقدمية في التعيينات:
من المقترحات الأخرى التي يمكن أن تساهم في حل مشكلة تأخر التوظيف للخريجين، مما يؤثر على حصيلتهم المعرفية التي اكتسبوها أثناء الدراسة وكذلك يقلل الثقة في نزاهة نتائج القبول الوظيفي، هو سن قوانين ملزمة بمنح الأولوية للأقدمية في التعيينات. من شأن هذا الإجراء منح الباحثين عن عمل من العمانيين الذين لديهم فترة انتظار أطول الأولوية في الحصول على الوظائف الشاغرة، مما يعزز الشعور بالعدالة بين المواطنين، ويشجع الشباب على التخطيط السليم واكتساب الخبرات اللازمة لسوق العمل بدلاً من انتظار الفرص دون معرفة مداها الزمني.
3. حظر مزاولة الكثير من الوظائف على الوافدين والاقتصار على العمانيين:
حظر مزاولة العديد من الوظائف على الوافدين والاقتصار على العمانيين، مثل الوظائف في القطاع الصحي والصيدلة والخدمات الفنية، يعد خطوة مهمة في عملية التعمين. هذه السياسة من شأنها أن تحفز القطاع الخاص على توظيف الكوادر الوطنية، وتدريبهم على المهارات اللازمة.
4. العمل على التعمين من منطلق 80/20 أو 70/30:
إن تطبيق نسبة 80/20 أو 70/30% في التعمين، بحيث يشغل العمانيون 70%/80% من الوظائف ويحصلون على 70%/80% من موازنة الرواتب في جميع المؤسسات، هو هدف طموح يتطلب تضافر جهود الحكومة والقطاع الخاص. هذا النهج سيساهم في خلق فرص عمل أكبر للشباب العماني وتحسين أوضاعهم المعيشية.
5. دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة:
يجب تقديم الدعم المالي واللوجستي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي تساهم في خلق فرص عمل جديدة للشباب. كما يمكن إتاحة إعفاءات من الرسوم لفترات قصيرة أو متوسطة لهذه المشاريع الناشئة حتى تتمكن من النهوض ومواصلة التطور والنمو، ثم دراسة استحقاقات الرسوم ومعاملتها كباقي الشركات.
6. تنويع الاقتصاد:
يجب العمل على تنويع مصادر الدخل والابتعاد عن الاعتماد الكلي على النفط، من خلال تشجيع الاستثمار في القطاعات الواعدة مثل السياحة والصناعة والزراعة. على أن يكون التركيز على النوع وليس الكم في هذه الاستثمارات، مع التحقق من جدية المستثمرين وسلامة الملاءة المالية لديهم وكذلك جدوى هذه المشاريع الاستثمارية.
فوائد تطبيق هذه الاستراتيجيات
من المؤمل أن يسهم تطبيق هذه الاستراتيجيات في تحقيق العديد من الفوائد، منها:
* خفض معدلات الباحثين عن عمل وتسريع وتيرة التوظيف: ستؤدي هذه الإجراءات إلى خفض معدلات الباحثين عن عمل بشكل كبير وتوفير فرص عمل للشباب العماني.
* زيادة الحراك الاقتصادي الداخلي: ستساهم هذه الإجراءات في زيادة الحراك الاقتصادي الداخلي وتعزيز القدرة الشرائية للمواطنين.
* تحقيق الرفاه الاجتماعي: ستساهم هذه الإجراءات في تحقيق الرفاه الاجتماعي من خلال توفير حياة كريمة للمواطنين.
* تعزيز الكفاءة الإنتاجية: ستؤدي هذه الإجراءات إلى تعزيز الكفاءة الإنتاجية من خلال الاستفادة من الكفاءات الوطنية.
في الختام، نذكر بأن حل مشكلة الباحثين عن عمل في عمان يتطلب تضافر جهود جميع الأطراف: الحكومة، القطاع الخاص، والمجتمع المدني. يجب أن تكون هناك إرادة قوية لتنفيذ الإصلاحات اللازمة، وتوفير الدعم للشباب العماني للتمكن من المنافسة في سوق العمل. فمن خلال تبني استراتيجيات جديدة وعاجلة، يمكننا أن نفتح آفاقًا جديدة للباحثين عن عمل ونضمن مستقبلاً أفضل للبلاد ولأجيالنا القادمة. فعلى الرغم من ارتفاع أعداد الباحثين عن عمل في سلطنة عمان والذي يشكل تحديًا كبيرًا، إلا أنه ليس مستعصيًا على الحل. في ظل وجود هذا الكم من الوظائف المجدية التي يشغلها الوافدون، فإن نسبة إحلال بمقدار (10%) قد تكون كافية لاستيعاب جميع الباحثين عن عمل دون التأثير سلبًا على كفاءة الاقتصاد.




























