الصحوة- سيف الجرادي
حين تُصبح الأنظمة كجلدٍ أُهمل تمدده، ويتحوّل التمكين إلى غطاءٍ هشّ يُخفي عجز البنية لا يعالجها، ندرك أن ما نراه من حراك ليس إلا صدى لصوتٍ غائب، فالتمكين الذي لا يهزّ يقين نظام المؤسسة، ويُقلق ثبات التراتب، يظل صوتًا باهتًا في قاعة مغلقة، إننا لا نُحدث التغيير بتبديل المفردات، بل بزحزحة المسلَّمات التي تسكن في العمق، ومتى بقي العقل التنظيمي يراكب المبادرات من خلف زجاج الإجراء، فلن تكون الحركة إلا دورانًا داخل الإطار ذاته، مهما تلونت الشعارات أو تأنقت المناصب، ففي كثير من المؤسسات، تُمنح الصلاحيات كما تُمنح الأمنيات، وعود لامعة، دون أثر حقيقي، يُوزّع التمكين على شكل شعارات، ويُعلَن في الاجتماعات بوصفه خيارًا استراتيجيًا، غير أنه في العمق يبقى مشروطًا، معلّقًا، يُراوح مكانه بين التمنّي والتردّد.
تُمنح المبادرة على الورق، ثم تُعصر في قوالب الصمت والاحتراس، يُفتح باب التجديد، غير أنه لا يتجاوز عتبة النص الجامد، يُدعى الموظف للمشاركة، غير أنه ما إن يمدّ يده حتى يرتطم بسقف لا يُرى، لانه مُعلّق كظل فوق كل فكرة، يتحوّل التمكين إلى طقس لغوي، يتكرّر في الاجتماعات ويُسطّر في العروض، إلا أنه لا يُحدث أثرًا في الجدران التنظيمية العتيقة، وتبقى كل محاولة أشبه بمفتاحٍ جميل في يدٍ مرتجفة أمام قفلٍ صدئ، لأن المعضلة لا تكمن في ما يُمنح، بل في ما لا يُؤمَن بحدوثه من الأصل، تكمن المعضلة فيما هو أعمق من غياب التفعيل، إنها تُسكن في الطبقات الخفية لنماذج التفكير التي لا تزال تمسك بعنق القرار، إنها تتجذّر في ما هو أدهى في نماذج التفكير التي لا تزال تحكم طريقة الإدارة، فالقيادة التي تمنحك الصلاحيات دون أن تغيّر نظرتها للسلطة، لا تمكّنك، بل تُعيد إنتاجك داخل قالبها القديم، ومهما تمّ تحديث المناصب، وتطوير النظم، وتبديل الوجوه، فإن الأداء لن يتغيّر طالما لم نُغيّر نموذج الفكر نفسه؛ أي تلك العدسة العميقة التي نُفسّر بها مفاهيم مثل التمكين، والثقة، والمبادرة.
تفشل كثير من محاولات التمكين لا بسبب ضعف الفكرة، بل لأن أدواته تُمنح لغير مستحقيها، وتُستخدم لتزيين مشهدٍ إداري جامد لا لتحريكه، فالأبواب تُفتح أمام من تتقاطع مصالحهم مع مراكز النفوذ، بينما يُقصى أصحاب الكفاءة لأن تمكينهم يهدّد توازنات هشّة لا تُقال، يتسلّل الولاء ليأخذ مكان الإنجاز، ويُعاد ترتيب النفوذ لا بهدف تطوير الأداء، بل لتكريس شبكات السلطة غير المعلنة، وفي ظل هذا التداخل المريب، يتحوّل التمكين من مشروع تحوّل… إلى واجهة تخفي تثبيت البنية كما هي.
تُشيّد هذه المفارقة بيئة ترتفع فيها رايات الولاء وتُطوى فيها خرائط الإبداع، يُقرَّب من يُجيد الصمت المؤسسي ويُؤجَّل من يتقن الاقتراح، لا لأن فكرته ضعيفة، بل لأن وجوده يهزّ استقرارًا اعتاد السكون، ومع الوقت، يتكشّف للموظفين أن التمكين لا يُمنح لمن يملك الأدوات، بل لمن يُجيد الوقوف في المكان المناسب دون أن يُحرّك ما حوله، في مثل هذه البيئة، لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما لا يُزعج، وتتحوّل دائرة الأمان إلى دائرة حصار ناعم… تُبقي كل شيء في مكانه، إلا الطموح.
التمكين الحقيقي لا يبدأ من تفويض توقيع، بل من تحرير العقل، لا من تكرار مفردة “مبادرة” في أدبيات المؤسسة، بل من إزالة الخوف المرتبط بكل اجتهاد، وكل محاولة لإصلاح الأداء دون مراجعة للنموذج الذهني المؤسسي، ستنتهي بإنتاج نفس النتائج القديمة… لكن بلغة أحدث، فالمفاتيح وحدها لا تكفي، وعلينا أن نعيد النظر في الأقفال… وربما، في صانعي الأبواب أنفسهم.
نحن اليوم لا نحتاج إلى كثرة الألقاب والمسميات، ولا إلى إعادة ترتيب المقاعد والمناصب في مشهد لم يتغيّر جوهريًا، لسنا بحاجة إلى “واجهة تمكينية” جديدة تُعيد تدوير العناوين، بل إلى لحظة وعي حقيقية تُعيد صياغة منطق القيادة والتمكين من الداخل، بحاجة إلى أن يتغيّر نموذج التفكير لدى من يُمكِّن، قبل أن نطلب من الآخرين أن يتفاعلوا مع هذا التمكين، لأن نموذج التفكير القديم، ذلك الذي يربط السلطة بالاحتكار، والقرار بالمركز، والمبادرة بالمخالفة، لا يمكن أن يُنتج بيئة تسمح بالتجديد مهما تغيّرت الواجهات.
هنا يمكننا ان نقول حين يخرج التمكين من عباءة نموذج التفكير التقليدي، ويرى العالم كما هو – عابرًا للبيروقراطية، متجاوزًا منطق التحكم – فقط عندها يبدأ التمكين الحقيقي، لا كمنحة، بل كتحوّل في الوعي، فالحل لا يكمن في إعادة توزيع الأدوار، بل في إعادة توجيه البوصلة الفكرية، فالمؤسسات التي تريد تمكينًا حقيقيًا، عليها أولًا أن تُراجع تصوّراتها عن القيادة، وأن تستبدل ثقافة الضبط بثقافة النمو، وأن تعيد تعريف السلطة باعتبارها مسؤولية تشاركية لا وصاية عمودية، عليها أن تنقل مركز الثقل من المركز إلى المحيط، وأن تنشئ بيئة يشعر فيها الموظف أن صوته لا يُسمع فحسب، بل يُحوّل إلى مسار، فالتمكين ليس قرارًا يُصدر، بل مناخًا يُبنى، ومسارًا يُصاغ، وفكرًا يُزرع في الوعي الجمعي للمؤسسة، ومن دون هذه النقلة الفكرية، سيبقى كل إصلاح شكلي مجرّد تزيينٍ لبنية مقاومة… تتبدّل ألوانها، ولا تتغير ملامحها، فالمناصب لا تُهدى، بل تُجتنى باستحقاق فكري ووعي تحويلي، لأن القائد الممكن لا يُقاس بموقعه، بل بقدرته على خلخلة ما اعتاد أن يُسلَّم به، وتحويل السلطة من امتياز إلى أثر.




























