الصحوة- دكتور فايز صبحي عبد السلام تركي
من المعلوم أنَّ اللغة العربية بها من الصِّيغ ما يفيد المبالغة في الوصف، وهي ما تُعرَف بصيغ المبالغة. وهي أسماء مُشتقة، بغرض الدَّلالة على المبالغة في اسم الفاعل، فهي تدلُّ على منْ يكثُر منه الفعلُ أو يتَّصفُ به على وجه الشِّدة، وهنا تكون المبالغة في ذلك الحدث، لا على وجه الثبوت، بل على وجه التغيير والحدوث؛ ومن ثَم إذا قلنا: فلانٌ كذَّاب، فإنَّ كلمة (كذَّاب) على وزن (فَعَّال) تفيد المبالغة في هذا الحدث، وهو الكذب.
ولها أوزانٌ قياسيةٌ، وأُخَرُ سماعيةٌ. فأمَّا القياسية، فهي : فعَّال، مثل علَّام، وقد تلحق التاء آخر هذا الوزن للزيادة في المبالغة، فيُقال: علَّامة. و(مِفْعال) مثل: مِقدام، (فَعُول) مثل : صبور، و(فعيل) مثل: سميع، و(فَعِل) مثل: حذِر. وأمَّا السَّماعيةٌ، فلا يُقاس عليها، ومنها : فاعول، مثل: فاروق، و(فُعْل) مثل: غُفْل، و(فُعَلَة) مثل: هُمَزة، و(فُعُّول) مثل: سُبُّوح، و(فيعول) مثل: قيُّوم، و(فُعَّل) مثل: تُبَّع…إلخ.
ومن المعلوم أنَّ هذه الصِّيغ لا تُشتق إلَّا من مصدر الفعل الثلاثيّ المُتصرِّف الذي يقبل الزِّيادة والتَّفاوت؛ من منطلق أنَّها تدلُّ على قوة المعنى وزيادته وتكراره والمبالغة فيه، وقد تأتي مشتقةً من غير الثلاثيّ، مثل: مِعوان، من الفعل (أعان)، وزهوق، من الفعل (أزهق). وهنا أُشيرُ أيضًا إلى أنَّها لا تُصاغ إلا من مصادر الفعل الثلاثي المتصرف المتعدِّي باستثناء صيغة(فعَّال) التي تأتي من اللازم والمتعدِّي؛ وذلك لكثرتها وشدة الاحتياج إليها، مثل : توَّاب، من الفعل اللازم (تاب)، وهذا ما أقرَّه مجمع اللغة العربية، وتأتي أيضًا صيغة (فعُول) من اللازم، مثل: ضَحُوك، من الفعل(ضحك).
لكنَّ المبالغة في هذه الصيغ أو معاني هذه الصيغ القياسية ليست على درجةٍ واحدة، فقد قال السيوطي:”وادَّعى ابن أبي طلحة تفاوتها في المبالغة أيضًا، فـ”فعول” لمن كثُر منه الفعل، و”فعَّال” لمن صار له كالصناعة، و”مِفعال” لمن صار له كالآلة، و”فعيل” لمن صار له كالطبيعة، و”فَعِلٌ” لمن صار له كالعادة”().
وقد جاء ذلك في تعليق ابن الأنباري على قولهم) فلانٌ ظَنِينٌ (، فقال:”وقولهم: فلانٌ ظَنِينٌ. قال أبو بكر: معناه مُتَّهم، من قول العرب: ظننتُ الشَّيء إذا اتّهمته، ومن قولهم: قد سَبَقَت إليه الظِّنَّة، أي: التَّهمة، قال الشَّاعر ():
إنَّ الحماةَ أُولَعَتْ بالكَنَّهْ
وأَبَتِ الكَنَّةُ إلَّا ظِنَّهْ
… ويكون الظَّنين أيضًا الضعيف، وأصله ظَنون، من قول العرب: وصْلُ فلان ظَنونٌ، إذا كان ضعيفًا، وبئرٌ ظَنونٌ، إذا كانت لا يوثق بمائها. ..فصُرِف عن ظنون إلى ظنين، كما قالوا: ماء شروبٌ وشريب للذي بين المِلح والعذب، وناقةٌ طعوم وطعيم للذي بين الغَثَّة والسمينة().
ففي هذا النصِّ نلاحظ إشارة ابن الأنباريّ إلى أنَّ معنى كلمة (ظنين) المتَّهم، كما في قولهم: قد سَبَقَت إليه الظِّنَّة، أي: التَّهمة، وهو ما عليه بيت الرَّجز. وفيه معنًى آخر، وهو الضعيف، ثُمَّ أشار إلى أنَّ أصل (الظَّنين) ظَنُون، فالعرب تقول: وصْلُ فلان ظَنونٌ، وذلك إذا كان ضعيفًا، ويقولون: وبئرٌ ظَنونٌ، إذا كانت لا يوثق بمائها.
وبناءً على هذا أشار إلى أنَّ العرب قد صرفت الاستعمال عن (ظنون) على زنة (فَعُول) إلى (ظنين) على زنة (فعيل)، وذلك نظير قولهم: ماء شروبٌ وشريب للذي بين المِلح والعذب، وقولهم أيضًا: ناقةٌ طعوم وطعيم للذي بين الغَثَّة والسمينة.
فما فلسفة هذا الصَّرف أو العدول؟ لقد ورد لدى السيوطي أنَّ (فَعُولًا) لِمَن كثُر منه الفعل()، وهو ما يُضاف إليه أنَّ (فَعُولًا) أيضًا لمن دام منه الفعل()؛ ومن ثَمَّ فهو للمبالغة، ولكون(فعولًا) للمبالغة، فقد أُشير إلى أنَّ هذا الوزن” منقولٌ من أسماء الذَّوات، فإنَّ اسم الشَّيء الذي يُفعل به يكونُ على (فَعول)غالبًا، كالوَضوء، والوقود، والسَّحور، والغَسول، والبَخور، فالوضوء هو الماء الذي يُتوضأ به، والوقود هو ما توقد به النار… ومن هنا استُعِيرَ البناء إلى المبالغة، فعندما تقول:(هو صبور) كان المعنى أنه كأنَّه مادةً تستنفد في الصبر، وتفنى فيه كالوقود الذي يُستهلك في الاتقاد ويفنى فيه…وحين نقول :(هو جزوع) كان المعنى أنه ذاتٌ تُستهلك في الجزع، وكذا الغفور، أي: كله مغفرةٌ، وهكذا. وممَّا يُستأنس به في ذلك أنَّه لا يؤنَّث ولا يُجمعُ جمع مذكرٍ سالمًا مراعاة للأصل الذي نُقِل عنه” ().
أمَّا صيغة (فعيل) فتدلُّ على المبالغة في الحدث شدةً أو كثرةً أو تكرارًا، حيث الدَّلالة”على معاناة الأمر وتكراره حتى أصبح كأنَّه خلقةٌ في صاحبه وطبيعة، كعليم، أي: هو لكثرة نظره في العلم وتبحُّره فيه أصبح العِلم سجيةً ثابتةً في صاحبه، كالطبيعة فيه”().
وبناءً على ما سبق يمكن الإشارة إلى أنَّ (فَعُولًا) من النَاحية الزَّمنية ونِسبة المبالغة تقتضي الآتي: من الناحية الزمنية “تشير صيغة (فَعول) إلى المبالغة في وصْف الموصوف بالحدث على جهة الدَّوام والملازمة حتى لا يكاد هذا الوصف ينفكُّ عنه بحالٍ. وتتحقَّق دلالتا الدوام والملازمة من خلال صيغة المبالغة (فَعول)، بجَعْل الموصوف مادةً مُستهلكةً في الحدث، وهي دلالة منقولة من حقل أسماء الذوات الدَّالة على مادة الحدث، كالوَضوء والبَخور والسَّحور والغَسول والوَقود…إلخ”().
وهو ما يدلُّ على أنَّ صيغة (فَعول) من الناحية الزمنية ” تدل على أنَّ اتِّصاف الموصوف بالحدث يكاد يستغرق كلَّ أجزاء الزَّمن، ومن هنا جاءت دلالة الدَوام والملازمة”()، أمَّا (فعيل) فتدلُّ على الشِّدة والمبالغة في الوصف، كأنَّها أبلغ من (فعول) في مُدَّة اتِّصاف الموصوف بالحدث ().
أمَّا من جهة نسبة المبالغة، فأشير إلى أنَّ صيغة (فعيل) أبلغُ من صيغة (فَعول) في مبالغة اتِّصاف الموصوف بالحدث المشار إليه ونسبته إليه.
وفي ضوء ما تقدم يمكن أنْ يفسَّر سِرُّ اختيار التَّعبير بصيغة (فعيل) المصروفة عن(فعول) في نصِّ ابن الأنباري، فهو اختيارٌ صرفيٌّ يُؤثِّر من خلاله منتجُ الخطاب في المتلقِّي، من جهة بحثِه عن كُنْه هذه الصِّيغة ومغزى اختيارها دون الأخرى، فإذا به يتوصل إلى أنَّ استعمال (فعيل) المصروفة عن (فعُول) لفلسفةٍ مَّا، تكمن في أنَّ هذا الفعل صار طبيعةً مُتمكِّنةً من الذَّات المُتلبِّسة بهذا الحدث، مع عدم تناسي ما في صيغة (فعول) من كونِ هذا الفعل يقع كثيرًا من هذه الذَّات، وهو ما يُوحي بأنَّ ثَمَّة علاقةً بين فلسفة الصَّرف والكفاية التَّخاطبية حيث استعمال صيغة مبالغة دون الأخرى، على نحو ما تقدَّم، وأنَّ هذه الصيغ ليست على درجةٍ واحدةٍ من المبالغة.




























