الصحوة – علي الحداد
في قلب سلطنة عُمان، حيث تتجذر الأصالة وتُستشرف الآفاق بنهضة متجددة، تطلّ السيدة الجليلة عهد بنت عبدالله البوسعيدية، قرينة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – كرمز وطني وضمير حي ومُلهمة نهضة حديثة، تحمل في هدوئها ما يليق بمقامها، وفي حضورها رسالة عُمانية أصيلة تنبض بالقيم والوعي والاعتزاز بالهوية. فهي ليست فقط سيدة أولى تقف إلى جوار قائد البلاد المفدى، بل هي شخصية متفردة تسير بين شعبها بثقة وحنان، وتختزل في طريقتها الهادئة أعظم معاني القيادة الناعمة والبصمة النسائية المؤثرة.
نشأت السيدة الجليلة في كنف أسرة عريقة في العاصمة مسقط، ووالدها هو السيد عبدالله بن حمد البوسعيدي، أحد رجالات الدولة الذين تولوا مسؤوليات رفيعة. ووالدتها هي السيدة الكريمة خالصة بنت نصر بن يعرب البوسعيدية، التي لها من المآثر الجليلة ما سُطّر في القلوب قبل أن يُسطّر في السطور. أفنت عمرها في خدمة مجتمعها بصمت الوقورين وسمو النفوس الكبيرة، فكانت – رحمها الله – نبعًا للعطاء لا ينضب، تسعى في دروب الخير، وتؤثر الآخرين على نفسها. لم تعرف ضجيج الإعلام، بل جعلت الأثر أبلغ من الظهور، فخلّفت إرثًا من المحبة والاحترام، وسيرة عطرة ستظل مبعث فخر واعتزاز لكل من عرفها أو سمع بها.
يمتد نسب السيدة الجليلة إلى الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، مؤسس الدولة البوسعيدية، ما جعل من إرثها العائلي حاضنة للقيم والمسؤولية والانتماء.
منذ صغرها، برز فيها حب العلم والمطالعة، فكانت الكتب رفيقتها والمعرفة مسارها، وقد تنقلت بين مدارس السلطنة واختارت علم الاجتماع كتخصص أكاديمي أكملته خارج البلاد، مدفوعة بشغفها لفهم الإنسان والمجتمع، ثم عادت حاملة معها فكرًا ناضجًا ورؤية طموحة لخدمة وطنها.
وعندما تولى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم في شهر يناير من عام ألفين وعشرين، لم تكن السيدة الجليلة مجرد رفيقة للسلطان، بل أصبحت جزءًا فاعلًا من مشروع النهضة المتجددة، تتجلى مشاركتها في المبادرات الاجتماعية والثقافية والتربوية، وتُكرّس وجودها لدعم قضايا التعليم، والمرأة، والبيئة، والأسرة. حضورها في المحافل والمناسبات الوطنية كان يحمل رسالة سامية: أن القيادة لا تنحصر في المراسيم، بل في العمل الصامت والتأثير الحقيقي. ويكفي مشهدها وهي تُنصت إلى أحد المواطنين خلال زيارة إلى ولاية بهلاء، لتجسّد ببساطة معنى القرب من الناس واحترام صوتهم، دون تكلف أو تصنّع.
وبموازاة هذا الدور، جسدت السيدة الجليلة ارتباطها العميق بالهُوية العُمانية من خلال حفاظها على الزي الوطني، إذ أصبحت إطلالاتها مصدر فخر واهتمام وطني، ورسالة جمالية واجتماعية بأن التراث يمكن أن يواكب العصر دون أن يفقد جذوره. شجعت النساء العُمانيات، لا سيما المصممات، على تقديم نماذج مبتكرة للزي العُماني تجمع بين الحداثة والأصالة.
أما العمل الإنساني، فقد وُضع في قلب اهتمامها من خلال مؤسسة عهد الخيرية، وهي مؤسسة عُمانية رائدة في دعم العمل التطوعي والخيري، إذ تُقدّم الدعم المادي والمعنوي للفرق والمبادرات المجتمعية، تعزيزًا لمفهوم التكافل الاجتماعي وتمكين المجتمعات من الداخل. هذه المبادرات ليست فقط امتدادًا لرؤيتها، بل تعبيرًا عن إيمانها بأن النهوض بالمجتمع يبدأ من ميدانه، ومن الذين يعملون بصمت لخدمة غيرهم.
ومنذ تولي جلالة السلطان مقاليد الحكم، كان للسيدة الجليلة حضورٌ مشرف في الاستقبالات الرسمية التي عكست وجه عُمان الحضاري. فقد استقبلت ملكة بلجيكا ماتيلد في شهر فبراير من عام ألفين واثنين وعشرين، حيث عكست المقابلة روح الاحترام المتبادل والدبلوماسية الهادئة التي تنتهجها. كما استقبلت لاحقًا السيدة انتصار السيسي، حرم الرئيس المصري، خلال زيارة رسمية إلى مسقط، في مشهد حمل الكثير من الدفء العُماني والترحيب الأصيل.
وفي هذا الإطار، شهد عام ألفين وعشرين مناسبة وطنية بارزة جسّدت هذا النهج، ففي صباح يومٍ مشرق من أيام عُمان الوفيّة، وتحديدًا في يوم السبت الموافق للسابع عشر من شهر أكتوبر، التأمت القلوب في قصر البركة العامر، حيث تفضل جلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – بمنح وسام الإشادة السلطانية لعدد من النساء العُمانيات المجيدات، تقديرًا لعطائهن الملموس في مختلف ميادين العمل الوطني.
وقد شرفت السيدة الجليلة عهد بنت عبدالله البوسعيدية – حفظها الله – برعاية هذا الحدث، حيث قامت بتوشيح المحتفى بهن بالأوسمة، في لحظة مفعمة بالاعتزاز والفخر، عبّرت فيها عن تهانيها للمرأة العُمانية، مشيدةً بدورها في دعم مسيرة النهضة المتجددة. وقد أكدت السيدة الجليلة في كلمتها المؤثرة أن هذا اليوم ليس فقط للاحتفاء بما تحقق، بل لتجديد العهد على مواصلة التمكين والدعم، انطلاقًا من قناعة السلطنة الراسخة بدور المرأة كشريك في البناء والتنمية.
جاء هذا التكريم امتدادًا للرؤية الحكيمة التي أرساها السلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – واستمر برعاية جلالة السلطان هيثم بن طارق، ليبقى تمكين المرأة نهجًا وطنيًا ثابتًا، عنوانه الثقة والعطاء. وقد تضمن الحفل تكريم خمسين شخصية نسائية من مختلف القطاعات، ممن قدّمن نماذج ملهمة في الريادة والعمل المجتمعي، تأكيدًا على أن المرأة العُمانية كانت – وستظل – ركنًا أساسيًا في حاضر الوطن ومستقبله.
ومؤخرًا، كرّمت السيدة الجليلة بوسامين ملكيين من مملكة هولندا وبلجيكا، عرفانًا بدورها الإنساني الراقي ومبادراتها المجتمعية التي تجاوزت حدود السلطنة، ورسّخت مكانة المرأة العُمانية في المحافل الدولية كصوت فاعل ومؤثر في قضايا الإنسان والتنمية.
كما نظّمت السيدة الجليلة عددًا من الفعاليات في الداخل، من بينها حفل استقبال كبير بمناسبة ذكرى تولي جلالة السلطان مقاليد الحكم في يوم الثلاثاء، السادس عشر من شهر يناير، في حصن الشموخ بولاية منح، بمشاركة شخصيات نسائية بارزة من مختلف فئات المجتمع. وقد حمل الحفل عنوان “العهد السعيد”، ليؤكد عمق التلاحم بين القيادة والشعب.
وفي مناسبة يوم المرأة العُمانية، الذي يوافق يوم الخميس، السابع عشر من شهر أكتوبر من عام ألفين وأربعة وعشرين، ألقت السيدة الجليلة كلمة مؤثرة عبّرت فيها عن اعتزازها بإنجازات المرأة، مشيرة إلى مسؤولياتها المتزايدة في ظل المتغيرات الاجتماعية والتقنية، داعية إلى التوازن بين المحافظة على القيم والتفاعل الإيجابي مع العالم. وقالت:
“ندعو المرأة العُمانية للاستمرار في رحلتها العظيمة لتظل صوتًا رافضًا للتطرّف والفكر الضيق.”
وفي ظل طغيان وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها المتزايد على الأسرة والمجتمع، شددت السيدة الجليلة على أهمية الوعي عند التعامل مع هذه الوسائل، خصوصًا فيما يتعلق بتربية الأبناء. واعتبرت أن حماية القيم تبدأ من البيت، مشيرة إلى ضرورة أن تبقى المرأة العُمانية صوتًا حكيمًا يرفض التطرّف ويدعم الاعتدال والفكر المنفتح.
ورغم هذا الزخم، لم تغفل السيدة الجليلة عن دورها كأم. فقد كرّست اهتمامًا كبيرًا بتنشئة أبنائها على القيم العُمانية، إيمانًا منها بأن بناء المستقبل يبدأ من بناء الأسرة. لقد اختارت أن تكون راعية لقيم الأخلاق والتواضع والانتماء، وأن تكون تربية الأبناء في صلب مشروع النهضة، لأن الوطن الذي نحلم به يبدأ في البيت.
وفي زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات، وتشتدّ الحاجة إلى القدوة الحقيقية، تبرز السيدة الجليلة عهد بنت عبدالله البوسعيدية كجسرٍ يربط بين الماضي العريق والمستقبل الواعد، تُجسّد صوت الحكمة وسط الضجيج، وتُعيد للرمزية النسائية مكانتها في المجتمع والدولة على حدّ سواء. فحضورها ليس مجرد احتفاء بمكانة اجتماعية، بل هو تَوجّه عملي يلهم كل امرأة عُمانية لتكون شريكة فاعلة ومبادرة في صناعة الغد.
إنّ تأثير السيدة الجليلة لا يُقاس بعدد الكلمات أو الصور، بل يُقاس بتلك الثقة التي تتسلل إلى وجدان المرأة العُمانية كلما رأتها تمضي برصانة واعتزاز. فهي تكتب فصولًا جديدة من سيرة وطنٍ بأفعالها، وتُرسّخ الإيمان بأن النهضة لا تكتمل إلا بسواعد نسائه ورجاله، وأن التغيير الحقيقي يبدأ حين يلتقي الحسّ الإنساني بالبصيرة القيادية.
وهكذا، تمضي عُمان بقيادة سلطانها، وبدفء قلب سيدتها الجليلة، التي جعلت من الهدوء موقفًا، ومن الحنان رسالة، ومن العمل منهجًا، ومن المرأة أملًا متجدّدًا في وطنٍ لا يتوقف عن الحلم .




























