الصحوة – علي الحداد
تُعد العلاقات بين سلطنة عُمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجًا فريدًا في البيئة الإقليمية المتقلبة، حيث امتزجت فيها الاعتبارات التاريخية مع المصالح الجيوسياسية، وامتدت جذورها عبر قرون من التفاعل الحضاري والبحري والثقافي. لم تكن هذه العلاقة وليدة اللحظة، بل بنيت على قاعدة من التفاهم المتبادل، والتقارب الجغرافي، والتواصل الإنساني، مما مهد الطريق أمام تعاون مرن في مجالات متعددة رغم ما شهدته المنطقة من توترات وصراعات.
منذ الثورة الإسلامية في إيران عام ١٩٧٩ ، ووسط مناخ إقليمي شهد استقطابات حادة، اتخذت سلطنة عُمان قرارًا مغايرًا للمسار السائد في محيطها، باعتماد نهج الانفتاح والحوار مع طهران. هذا النهج لم يكن مجرد اختيار دبلوماسي واعٍ، بل كان انعكاسًا لرؤية استراتيجية تؤمن بأهمية الحوار والانفتاح على الآخر، وترى في التوازن والاعتدال عناصر قوة وليست ضعفًا. وهو ما تجسد في استمرار العلاقات الدبلوماسية بين البلدين رغم أزمات متعاقبة، وحفاظ مسقط على مكانتها كوسيط مقبول من جميع الأطراف.
اعتمدت السياسة الخارجية العُمانية، تاريخيًا، على مبدأ الحياد الإيجابي، القائم على النأي عن المحاور، والانخراط في الجهود التوفيقية، وإيجاد مساحات للحوار في الأوقات التي تغيب فيها القنوات المباشرة. ومن خلال هذا النهج، أصبحت عُمان منصة دبلوماسية موثوقة، وقد برز هذا الدور بوضوح في الملف النووي الإيراني، إذ استضافت مسقط على مدار سنوات جولات من المحادثات السرية والمعلنة بين إيران والولايات المتحدة، ما بين ٢٠١٢ و٢٠٢٥، كان آخرها ثلاث جولات غير مباشرة حتى مايو من العام ذاته.
ولا تقتصر العلاقات بين عُمان وإيران على البعد السياسي والدبلوماسي فحسب، بل تمتد إلى المجال الاقتصادي، وإنْ بشكله المتواضع حتى الآن. فحجم التبادل التجاري لا يعكس الإمكانات الكامنة، لكنه مرشح للتطور في ظل المشروعات الاستراتيجية المطروحة، وفي مقدمتها مشروع خط أنابيب الغاز الممتد من السواحل الإيرانية إلى ميناء صحار العُماني. هذا المشروع، الذي بدأت فكرته منذ عام ٢٠٠٣ ، ظل معلقًا بين الإرادة السياسية والإكراهات الدولية، وعلى رأسها العقوبات المفروضة على طهران. ورغم إعادة تفعيله في مراحل مختلفة، تظل التحديات التقنية والمالية والجيوسياسية عقبات قائمة في طريق تنفيذه.
غير أن المشروع يحمل في طياته فرصة نادرة لتحويل السلطنة إلى مركز إقليمي لتسييل وتصدير الغاز، مستفيدة من بنيتها التحتية المتطورة، وموقعها الجغرافي، وعلاقاتها المتوازنة. كما يتيح لإيران متنفسًا اقتصاديًا في ظل قيود التصدير، ويفتح أمام الطرفين آفاقًا جديدة للتكامل، بما يشمل إمكانية مد الشبكة مستقبلاً إلى جهات إقليمية أخرى أو حتى الهند، ما يعزز الترابط ويخدم أمن الطاقة العالمي.
ولعل ما يضفي على هذه العلاقات مزيدًا من الخصوصية هو بعدها الثقافي والإنساني، حيث يتداخل التاريخ العُماني الإيراني في مزيج من القيم والتقاليد والتواصل الشعبي، لا سيما في المناطق الساحلية مثل محافظة مسندم. وقد ساهمت المبادلات الثقافية والزيارات الرسمية والشعبية في تكريس بيئة من التفاهم، تتجاوز ما يمكن أن تؤمنه الاتفاقيات السياسية وحدها.
في السياق الراهن، تكتسب زيارة الرئيس الإيراني المنتخب، مسعود بزشكيان، إلى سلطنة عُمان يوم غد الثلاثاء ٢٧ مايو ٢٠٢٥، أهمية مضاعفة، كونها تأتي في لحظة إقليمية حساسة تتطلب مزيدًا من التشاور والتنسيق. ومن المتوقع أن تتناول هذه الزيارة عددًا من القضايا المفصلية، بما في ذلك التعاون الثنائي، مستقبل مشروع الغاز، والتطورات في ملفات اليمن، سوريا، والعلاقات الإيرانية مع القوى الدولية. وهي زيارة تؤكد مجددًا على ثقة طهران المستمرة في الدور العُماني، وعلى رغبة متبادلة في الحفاظ على مسار العلاقة مستقرة وفاعلة.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال البعد الاستراتيجي الذي يمثله مضيق هرمز، باعتباره شريانًا عالميًا للطاقة، ومجالاً مشتركًا للتعاون الأمني بين البلدين. فقد أظهرت طهران ومسقط حرصًا مشتركًا على تأمين الملاحة البحرية، والتنسيق في مواجهة التهديدات العابرة، سواء كانت من القرصنة أو من التوترات العسكرية.
وعلى ضوء ما سبق، يمكن القول إن العلاقات العُمانية الإيرانية تقوم على أسس من العقلانية، والاحترام المتبادل، والتفاهم طويل الأمد، بعيدًا عن الشعارات المؤقتة أو التكتلات الآنية. إنها علاقة تقف على مفترق استراتيجيات، تحاول من خلاله السلطنة أن توازن بين مصالحها السيادية، والتزاماتها الدولية، دون أن تتخلى عن دورها كصوت للحكمة وركيزة للاستقرار. وفي الوقت الذي يواجه فيه الإقليم مزيدًا من التحديات، فإن هذه العلاقة تبدو، أكثر من أي وقت مضى، نموذجًا يمكن البناء عليه في البحث عن توازن مستدام .




























