الصحوة – بدأت إحدى محافظات سلطنة عُمان صباح أحد الأيام بصدمة مؤلمة، حين بلغها نبأ وفاة خيرة شبابها الطالب المبتعث مروان البلوشي إثر حادث غرق مفجع في المملكة المتحدة.. لم يكن رحيل مروان مجرد فقدٍ فردي لعائلةٍ مثكولة، بل كان وجعًا عامًا تسلل إلى قلب الوطن، وهزّ مشاعر الناس من مسندم إلى ظفار، حتى بدا أن الحزن قد جمع العُمانيين على وجعٍ واحد.
السيدة الجليلة… الأم الحانية
لكن المشهد لم يبقَ حبيسًا للدموع والذهول، فسرعان ما تحوّل إلى صورة ناصعة من صور التلاحم بين القيادة والمجتمع، حين بادرت السيدة الجليلة عهد بنت عبدالله البوسعيدية -حفظها الله ورعاها- حرم جلالة السلطان، بتوجيه رسالتين رسميتين؛ الأولى كتعزية إلى أسرة الفقيد، والثانية كشكر إلى الشاعرة هاجر البريكية.
في رسالة المواساة التي وُجهت لأسرة مروان، خاطبتهم بوجدان الأم العُمانية، قائلة: “أشارككم هذا الحزن، وأشعر بمرارة الفقد، لكنّه قضاء الله وقدره، ولا نملك إلا التسليم لحكمه”.. كانت الكلمات مضمّخة بالتعاطف، وتنبض بالمواساة، وتؤكد أن الحكومة العُمانية لا تغيب عن مشاعر شعبها في أقسى لحظاتهم.
من قصيدة إلى قلب السيدة الجليلة
وفي الرسالة الثانية، التي وجّهتها السيدة الجليلة إلى الشاعرة هاجر البريكية، امتد الحضور الإنساني إلى مساحة أعمق من العزاء؛ فقد كانت الشاعرة قد نظمت قصيدةً مؤثرة في رثاء -المغفور لها بإذن الله تعالى- السيدة خالصة بنت حمد البوسعيدية، والدة السيدة الجليلة، فكان الردّ بمستوى ما قيل، بل وأرفع، إذ كتبت السيدة الجليلة: “نثرتِ مشاعرك الصادقة، وكلماتك المؤثرة التي لامست وجداننا، وعكست وفاءً نبيلاً ومحبةً خالصة.”.. بهاتين الرسالتين، صنعت السيدة الجليلة مشهدًا استثنائيًا، تُمارس فيه القيادة دورها العاطفي والرمزي بكل رقيّ، وتُجسّد حضورها، كقلب نابضٍ في جسد وطنٍ يتنفس بالمحبة والاحترام.
الدولة.. تواسي أبنائها
لم يكن هذا الحضور الإنساني مقتصرًا على حرم جلالة السلطان؛ فقد وجّه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، تعزية رسمية إلى والد الفقيد الدكتور سليمان البلوشي، عبّر فيه عن تعازي الدولة العميقة، قائلاً: “بقلوبٍ مؤمنة راضية بقضاء الله وقدره، تلقينا نبأ وفاة ابنكم المغفور له بإذن الله مروان… ونتقدم إليكم بخالص التعازي، ونسأل الله أن يسكنه فسيح جناته.”.. لم يكن ذلك مجرّد خطاب باسم الدولة، بل تأكيد بأن الحكومة تقف إلى جانب مواطنيها، في داخل البلاد وخارجها، في الحياة والممات، في النجاح والفقد.
مواقع التواصل تفيض امتنانًا
المجتمع لم يتأخر في ردّ التحية؛ فقد امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بسيل من التغريدات التي عبّرت عن الامتنان، والاحترام، والانبهار بهذا الحضور القيادي…
كتب أحد المغردين: سيدتنا كريمة من نسل الأكرمين… جزاها الله خيرًا، بينما كتب آخر: كلمات السيدة الجليلة تاج على رأس الحزن، ويدًا حانية امتدت من قلب عمان الكبير.
أما الشاعرة هاجر البريكية، التي وجدت نفسها موضع امتنان من قِبَل السيدة الجليلة، فكتبت تغريدة مؤثرة قالت فيها: “لا تشكريني مولاتي، فهذه مشاعري التي لا تفي قدرك مقامه.”
عزاء يمثل الوطن
وهكذا، لم تكن تعزية مروان شأنًا عابرًا، بل كانت حدثًا مركزيًّا أعاد التأكيد على أن القيادة الحقيقية لا تحكم فقط، بل تواسي، وتحتوي، وتمنح الأمل حين يبهت النور.



























