الصحوة – علي الحداد
في زمنٍ تكسّرت فيه السيوف على أسوار الطامعين، وذبلت فيه رايات العزّ في مهب الفُرقة والاحتلال، بزغ فجر رجلٍ من عمق الرمال العُمانية… اسمه أحمد، ابن سعيد، ابن التاريخ.
وُلد في رجب من عام ١١٠٥ هجري، بولاية أدم، حيّ الجامع. لم يكن مولده إيذانًا بولادة زعيم فحسب، بل كان بشارةً بأملٍ جديد لدولةٍ أنهكها الغزو وانكسار السواعد. لم يكن وريث عرش، بل راعٍ للإبل يسوقها تحت شمس الداخل، ولكنه يحمل ملكًا بداخله، ثم تاجرٌ في أسواق صحار، يعرفه الناس بالصدق والبأس، كأن في عينيه بحرًا من سكون، وفي قلبه صحراء من صبر.
سارت خطواته بثبات، حتى إذا علا صوت الخطر الفارسي، وكان نادر شاه قد ألقى بثقله على عُمان، وجد التاريخ في أحمد فارسًا يحمل أكثر من سيف: يحمل الدهاء، والعقل، وحب الوطن.
رافق الإمام سلطان بن مرشد، فكان سندًا في المقاومة. ولما غاب الإمام في ظلال الموت، حمل أحمد الراية من بعده، لا عن طمع، بل عن تكليف من الزمن والناس.
في عام ١٧٤٤م، بايعته القبائل إمامًا، فكان أول حجر في بناء الدولة البوسعيدية، التي وُلدت من ظروف صعبة.
اتخذ من الرستاق عاصمة، ومن الوحدة عهدًا، ومن العدل دستورًا. عيّن الولاة، وحارب النزاعات القبلية، وقام على رعاية الناس كأبٍ لا يغفو، لا يسهو.
ثم نظر إلى البحر، فرأى فيه حياة لعُمان.
أنشأ أول جيش نظامي، وبنى أسطولًا بحريًا حطّم الأمواج لا ليغزو، بل ليحمي. كانت سفينته “الرحماني” تمخر العباب في مهمة نبيلة: فك الحصار الفارسي عن البصرة عام ١٧٧٥، استجابةً لنداء السلطان العثماني عبد الحميد الأول. لم يكن ذلك انكسارًا تحت راية، بل شراكة تحت شمس الكرامة.
وفي عام ١٧٦٦، طرق باب الهند، لا بحرب، بل بمعاهدة. جلس مع أمرائها، ووقّع وثيقة جعلت التجارة بين الضفتين أكثر أمنًا، وأكثر ازدهارًا. أنشأ “بيت النواب” في مسقط، ليكون أول تمثيل دبلوماسي للهند في عُمان، في وقتٍ كانت فيه أوروبا تتصارع على خريطة العالم.
التجارة، تلك التي بدأت من صِباه، لم تغب عن حكمه. ألغى الرسوم على البن، وفتح الأبواب أمام السفن العمانية، حتى أصبحت مسقط وصحار مناراتٍ للتجار والقوافل. خمسون سفينة كانت ترسو سنويًا في البصرة، حاملةً عطايا الأرض العُمانية.
كان الإمام أحمد إباضيًّا في مذهبه، متسامحًا في قلبه. لم يشعل حروب المذاهب، بل سعى إلى جمع الناس على كلمة سواء. دعم العلماء، وأحيا المدارس، وجعل من الحكم وسيلةً للإحياء لا للإقصاء.
وفي لحظاتٍ من العمر، حين تنطفئ الشموع في هدوء الحكماء، أسلم الإمام روحه في ١٥ ديسمبر ١٧٨٣م في الرستاق. لم يكن موته نهاية، بل بداية لسلالةٍ لا تزال تحكم، ولرايةٍ لا تزال ترفرف، ولملحمةٍ لا تزال تُروى.
ضريحه هناك، في الرستاق، تتكئ عليه شواهد الحجر، وتحكي فيه النقوش سيرة رجلٍ غيّر وجه الزمان.
لقد كان أحمد بن سعيد أكثر من إمام…
كان رايةً نهضت حين سقطت الرايات،
وبحرًا عُمانيًا لا يعرف الانكسار،
وبدايةً لعُمان جديدة، لا تُشبه سوى نفسها .




























