الصحوة – سعاد الوهيبية
في صباحٍ يشبه موسيقاه، متردّدٍ بين الغضب والحنين، عنونت الصحف رحيل الموسقار، بل الحالة الفنية المتكاملة “زياد الرحباني” عن عمر يناهز 69 عامًا، بعد صراع من المرض، رحيل أيقونة مثله يعني أن الموسيقى العربية تناثرت عند لحظة وهن وحزن رثاءً للرمز الفني الذي لا يشبه إلا نفسه، رمزًا كان قد مزج الموسيقى الساخرة بالواقع اللبناني المُعاش.
كل صباح كان صوته نافذة الحياة، وصديق الطريق، وحديث السفر، كنت أستعير من أغانيه مزاجًا يرافق القهوة الساخنة، ومن كلماته مرآة تعكس ما أشعر به بسخرية راقية؛ حيث “سألوني الناس” و “أسامينا” والأيقونة الخالدة – بالنسبة لي – “كيفك إنت؟!”، كان لسان حال العاشق والمشتاق، والحب والحنين، ترجم مشاعر المغترب والمُفارق.
زياد لم يكتب لنا، بل كتب عنّا. جعل من “البوسطة” مشهدًا متنقّلًا في وجدان اللبنانيين، ومن “عودك رنان” رقصةً للمقهورين، دخل الجاز إلى مقاماتنا دون استئذان، وترك في كل مسرحية ضحكة مكسورة تشبهنا، من “نزل السرور” إلى “بالنسبة لبكرا شو؟”.
رحيله ليس موتًا فنيًا، بل توقفٌ مؤقت لمزاجنا اليومي، لانفعالاتنا المتأرجحة بين الحنين والنقد، أن يموت زياد يعني أن نصبح أقل صدقًا، أقل قدرة على مواجهة المرآة.
لكن زياد، وإن غاب جسدًا، سيبقى لحنًا يُعزف حين يضيق الخاطر، ويُردد حين يعجز الكلام، سيبقى صباح الجامعة مرتبطًا “بقومي فوت نام”، وسيبقى الغياب مجرد كذبة لا تقنعنا… لأنك كنت الحقيقة بصوت فيروز.
رحيل زياد الرحباني لا يعني فقط غياب فنان، بل انطفاء ضوءٍ كان يفضح الظلال، هو غياب العقل الموسيقي الذي مزج الجاز بالهمّ العربي، وجعل من المسرح منبرًا للناس لا للسلطة. أن يموت زياد، يعني أن نخسر آخر من كان يكتب لنا الحقيقة بلغة ساخرة، ويعزفها على بيانو لا يعرف المجاملة.
رحيله يعني أن يُطوى فصلٌ من الفن الملتزم، حيث كانت الأغنية موقفًا، والمسرحية بيانًا، واللحن احتجاجًا، فزياد لم يكن مجرد نجل فيروز وعاصي، بل كان امتدادًا متمردًا، اختار أن يكون صادقًا حتى في وجعه، حتى في عزلته الأخيرة التي أنهكت جسده.
يعني أن تفقد الموسيقى اللبنانية أحد أبرز مجدديها، من أدخل الجاز إلى الأغنية الشرقية، وكتب لفيروز ما لم يجرؤ أحد على كتابته، ترك بصمة لا تُمحى في وجدان الأجيال، وفتح نوافذ جديدة في التعبير الثقافي اللبناني.


























