الصحوة – علي الحداد
مع تصاعد العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، وتعثر المساعي السياسية والدبلوماسية لوقف المجازر والانتهاكات، بدأت بعض الأصوات في المنطقة العربية والإسلامية تطرح فكرة التصعيد غير التقليدي، ومنها الدعوة إلى إغلاق المضائق البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز ومضيق باب المندب، باعتبار ذلك ورقة ضغط موجعة ومباشرة على المصالح الغربية الداعمة لإسرائيل، سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة.
هذا الطرح، رغم ما فيه من غضب مشروع وتوق إلى تحرك ملموس، إلا أنه يثير جدلاً واسعاً من حيث الواقع السياسي والقانوني والاقتصادي، ويستدعي تحليلاً عقلانياً بعيداً عن الانفعال الآني، لأن ما يبدو خطوة تضامن حاسمة، قد ينقلب إلى كارثة إقليمية وربما عالمية.
من الناحية الجغرافية والاستراتيجية، يحتل مضيق هرمز موقعاً بالغ الأهمية، حيث تمر عبره يومياً قرابة 20% من صادرات النفط العالمية، وهو شريان لا غنى عنه لدول الخليج، مثل السعودية والإمارات والكويت وقطر والعراق، التي تعتمد على هذا المعبر لتسويق نفطها. وتكمن خطورته في أنه محاط بقواعد بحرية أميركية وأسطول بحري دائم، يجعل السيطرة عليه أو حتى تهديد الملاحة فيه مخاطرة قد تعني الدخول في مواجهة عسكرية شاملة. أما مضيق باب المندب، فهو بدوره معبر أساسي للتجارة بين أوروبا وآسيا عبر قناة السويس، ويمر عبره نحو 10% من التجارة العالمية، وتتمركز قربه قواعد دولية لحماية الملاحة، بينها قوى إقليمية كالسعودية ومصر، وقوى دولية كفرنسا وأمريكا.
الدعوة إلى إغلاق هذه المضائق، وإن جاءت من منطلق الدفاع عن المظلومين ومناهضة السياسات الغربية المتواطئة مع إسرائيل، تفتح الباب أمام آثار اقتصادية شديدة التدمير. إغلاق مضيق هرمز سيؤدي حتماً إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل غير مسبوق، ربما يتجاوز 200 دولار للبرميل، مما سيشعل التضخم العالمي ويضرب سلاسل الإمداد في أنحاء العالم، بما فيها الدول العربية ذاتها. والأسوأ من ذلك، أن دول الخليج نفسها ستكون أولى المتضررين اقتصادياً من هذا القرار، إذ ستفقد منفذها الأساسي لتصدير النفط، وستدخل في أزمة خانقة داخلياً وخارجياً.
الآثار العسكرية لا تقل كارثية. فالمجتمع الدولي يعتبر حرية الملاحة في المضائق الدولية من الثوابت، وإغلاقها يُعدّ انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، يعطي مبرراً كاملاً لتدخل عسكري مباشر تحت عنوان “حماية التجارة العالمية”. وسيناريو كهذا قد يؤدي إلى اشتباكات بحرية بين القوات الغربية ودول أو جماعات متورطة في الإغلاق، ويحوّل المنطقة إلى ساحة مواجهة بحرية مفتوحة قد تستدرج أطرافاً كبرى إلى صراع لا يُحمد عقباه.
سياسياً، ستُعزل الدول أو القوى التي تُقدِم على هذه الخطوة، وسيُعاد تصوير القضية الفلسطينية في الإعلام الغربي على أنها سبب في إشعال أزمة عالمية. الرأي العام الدولي، الذي بدأ في التحول جزئياً لصالح القضية الفلسطينية، قد ينقلب ضدها فور أن يشعر بأن حياته المعيشية اليومية أصبحت ضحية لهذا التصعيد. بل قد تستغل إسرائيل هذا التحول لتوسيع تحالفاتها الأمنية، وتعزيز حضورها في البحر الأحمر والخليج تحت ستار “الأمن الملاحي الدولي”.
ولعلّ السؤال الجوهري هنا: إذا كانت هذه الورقة ذات تأثير فعّال، فلماذا لم تُستخدم من قبل، حتى في أشد مراحل التصعيد، مثل الحرب العراقية الإيرانية، أو الحروب بين إيران وإسرائيل عبر الوكلاء، أو العدوان الإسرائيلي المتكرر على غزة؟ السبب أن كافة الأطراف الفاعلة تدرك أن إغلاق هذه المضائق ليس قراراً تكتيكياً، بل هو إعلان حرب شاملة، لا يمكن احتواؤها ولا ضمان نتائجها.
إن دعم القضية الفلسطينية لا يتطلب تفجير الأوضاع في المنطقة بقرارات تدميرية غير محسوبة. فهناك بدائل ضغط مؤثرة وأكثر عقلانية، منها المقاطعة الاقتصادية المنظمة، والتصعيد السياسي والقانوني في المحاكم الدولية، واستخدام أدوات الإعلام والرأي العام العالمي، ودعم المقاومة الفلسطينية بوسائل غير مباشرة تحفظ التوازن الإقليمي ولا تفتح الأبواب لجحيم لا يرحم أحداً.
في نهاية المطاف، فإن نصرة فلسطين مسؤولية دينية وإنسانية وتاريخية، لكنها لا تعني القفز في المجهول، ولا اتخاذ قرارات انفعالية تفقدنا أدوات التأثير الحقيقي. المطلوب اليوم ليس فقط الغضب، بل الحكمة والدهاء، لإفشال المشروع الصهيوني دون تدمير مصالح شعوبنا، ولا منح خصومنا المبررات التي يبحثون عنها للتصعيد والتدخل والسيطرة .




























