الصحوة – علي الحداد
في حاضنة الجبال، في سمائل الفيحاء، بين جداولها الراكضة ومآذنها الشامخة، وُلدت قصيدة تمشي على قدمين، اسمه عبد الله، وكنيته القصيدة، ومذهبه الجمال، وسيرته مداد لا يجف.
لم يكن ميلاده في 29 أغسطس 1922 ميلاد جسد فقط، بل انبثاقًا لغيمةٍ تمطر بلاغة، وميلادًا لنايٍ يهمس بموسيقى الكلمات، إنه عبد الله بن علي الخليلي، الشاعر الذي لبس عمامة القصيدة، وسجد في محراب اللغة، وأقسم على الولاء للبيان العربي.
من النسب إلى النبض
هو من بيتٍ عريق، يُروى تاريخه لا بالأنساب وحدها، بل بما نزَّ من عبق العلم وندى الأدب. هو حفيد الأئمة والعلماء، وسليل الإمام الخليل بن شاذان. عاش في كنف المجد المتراكم، لا يتعالى به، بل يسلك به سبيل الورع والشموخ.
نشأ في بيت السُبْحيّة في سمائل، حيث القرآن يُرتل، والنحو يُحفَظ، واللغة تتنفس. درس على يد أئمة عصره، وجالس الشيوخ، ولكنه كان منذ الطفولة يحمل لغة أوسع من الكتب، وخيالًا لا تحده الجدران.
حين تكلم الشعر .. نطق الخليلي
لم يكن الشعر عنده حرفة، بل قدرًا ينسكب من جوانحه. يقول إن أول بيت قاله لم يكن بحثًا عن المجد، بل ردًّا على نداءٍ داخليٍ، كأن الكون كله صمت ليسمعه:
تحركها بالأريحية همة
فتعدو بنا كالرائح المتحلب
لكن هذه الطلعة لم تكن إلا بداية طريقٍ طويل، كثير التأمل، كثير الصمت، كثير النور. كان الشعر يأتيه فجأة، كالوحي، فيفز من نومه ليكتب، أو يترك الطعام ليخط بيتًا. فالقصيدة عنده لم تكن مجرد بيتين، بل صلاة قلبٍ، وشهقة وجدان.
كأن عُمان تنطق بلسانه
إن أردت أن تعرف عُمان، فاقرأ عبد الله الخليلي. كتب عنها لا كعاشق، بل كابنٍ بارّ، وكضوءٍ لا يغيب:
عُمان منبتُ أهل الله من قِدَم
ومعقلُ العز والعلياء سربال
وحين وصف سمائل، جعل منها جنة تتفتح بالحرف:
هذي سمائلُ في انتظار قدومكم
تزهو وتصبح كل يوم تُزهر
أحب وطنه حتى النخاع، ولكنه لم يكن سجينًا للحدود. كتب عن فلسطين، عن الجزائر، عن مصر، عن اليمن، عن الإنسان، وكان صوته صوت أمّته الجريحة والمعتزة في آنٍ واحد:
يا قوم حتى ما يهوى في الحضيض بكم
رأي شتات لأعداءٍ غير أشتاتِ
شاعر، وقاص، ومُقَامِيّ
لم يقف الخليلي عند القصيدة، بل فتح أبواب الفن الأدبي كله. كتب المقامات، تلك الحكايات الموشاة بالفكاهة والعظة واللغة الزاهية، واختار لها راوٍ من خياله: الشاري بن قحطان.
كتب القصة أيضًا، لا بوصفها حكاية، بل كمرآة للروح العمانية وهموم الإنسان، مثل قصته “الأسرة الكادحة” و*“همسات الحب”*.
الخيال ليس غيمة، بل وطنه
ديوانه الأكبر، وحي العبقرية، لم يكن مجرد قصائد، بل أيقونات جمالية تمشي على أوتار الزمن. كتب وحي النهى بحروف المعجم، وبين الفقه والأدب كمراسلات شعرية، وعلى ركاب الجمهور شعرًا تفعيليًا أنيقًا، وبين الحقيقة والخيال في القصة الشعرية.
حتى ما لم يُطبع، كان عظيمًا في محتواه:
•فارس الضاد – مجلد شعري ينتظر الطباعة.
•الوحدة – قصيدة تتجاوز الألف بيت تدعو لوحدة الخليج.
•أرج البردة – تخميسات فريدة لقصيدة البوصيري.
النهاية .. بصمتٍ يليق بالأنبياء
في عام 1982، حلّ بجسده داءُ باركنسون، فخبا جسده، ولم يخفت نوره. عاش 18 عامًا في عزلته، لكن قصيدته لم تعرف السكون. كتب، وكتب، وكتب حتى كانت كلماته تنوب عنه حين لا يقوى على الحديث.
وفي 30 يوليو 2000، أغمض عينيه، وفتحت القصيدةُ عينيها.
الخليلي .. ليس شاعرًا فقط، بل ذاكرة وطن
إن عبد الله بن علي الخليلي لا يُقرأ فقط، بل يُستشعر. هو منارة عُمانية عربية إسلامية، ارتقى بالكلمة، وبنى جسورًا من الحرف بين الماضي والحاضر.
لم يُهجّر الحرف عن نخوته، ولم يبع القصيدة لتجار المدح، بل بقي وفيًا للحقيقة، للجمال، ولذاته.
في الختام
عبد الله الخليلي ليس شاعرًا مضى، بل قصيدةٌ لا تزال تُكتب في قلب كل قارئ.
من أراد أن يعرف عمان، فليقرأه.
ومن أراد أن يعرف كيف تسكن اللغة في إنسان، فليسمعه.
ومن أراد أن يبني مجدًا بالكلمة، فليتّبعه.
يموت النبي ولا وارثٌ
سوى العلماء، فما أكرما
وقد كان هو .. وارثًا للأنبياء في القصيدة .





























