الصحوة – علي الحداد
في عالم يعجّ بالمقارنات، تُصبح حياة الآخرين مادةً دائمةً لتقييم ذواتنا. نمرّ على يومياتهم في الصور، نسمع قصصهم في المجالس، نرى نجاحاتهم تُعرض أمامنا، فنحسب أن الدنيا قد اصطفّتهم، وأنهم قد نالوا ما لم ننله. ومع تكرار النظر إلى ما في أيديهم، تبدأ أرواحنا تذبل، وتخترقها سهام المقارنة والحسرة.
لكن الحقيقة العظمى التي يُغفلها كثيرون، هي أن الناس كلهم مبتلون.
لا أحد في هذه الحياة يخلو من امتحان. ربما اختلفت الصور والأشكال، لكن الجوهر واحد: كل نفس تمتحن، وكل قلب يذوق مرارة فقد أو صبر أو حيرة. الابتلاء ليس دومًا في الفقر أو المرض، بل قد يكون في المال الذي لا يجلب راحة، أو في الشهرة التي تُفقد الإنسان خصوصيته، أو في الصحة التي تُعجز القلب عن الطمأنينة. الابتلاء قد يكون في وفرة النعم التي تَجرّ العبد إلى الغفلة.
إن الله عز وجل قال:
“وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ”
[البقرة: 155]
وهذا وعد صريح أن البلاء سنة إلهية لا تستثني أحدًا.
المقارنة: باب للحزن لا يُغلق
حين نقارن أنفسنا بالآخرين من خلال النعم الظاهرة فقط، فإننا نظلم أنفسنا مرتين:
أولاً، لأننا ننسى أن النعم الحقيقية أحيانًا تكون غير مرئية؛ كالرضا، والسكينة، وحسن الظن بالله.
وثانيًا، لأننا لا نعلم ما يخفيه أولئك الذين نحسدهم من آلام، أو ذنوب، أو خوف، أو ضيق لا يُحكى.
فمن أدراك؟
ربما الشخص الذي تغبطه على منصبه، ينام كل ليلة خائفًا من الغد،
وربما التي تحسدينها على جمالها، تبكي كل مساء على ابتلاء لا يُرى،
وربما من يبدو غنيًا في المال، فقيرٌ في الحب، أو في برّ أبنائه، أو في راحة باله.
الخفايا لا يعلمها إلا الله
كل إنسان له قصة لا نراها، وتفاصيل لا تُحكى، وحروب داخلية يخوضها وحده. فحين تنظر إلى ظاهر أحدهم، تذكّر أن خلف الستار حياة لا تُعرض، وأنك قد تكون في عافية لا يعرف قدرها إلا من فَقَدَها.
ولهذا قيل: “إنك إن رأيت عبدًا مُنع شيئًا من الدنيا، فاعلم أن الله قد عوّضه من نوع آخر، فربما حُرم المال وأُعطي رضا، أو حُرم الصحة وأُعطي قلبًا شاكرًا، أو حُرم الذرية وأُعطي سكينة لا تقدر بثمن.”
الرضا لا يعني الجمود، بل السلام
الرضا لا يعني أن تتوقف عن الطموح، ولا أن تقبل الظلم أو التقصير،
بل يعني أن توقن أن الله قد كتب لك ما هو خير، وإن لم تفهم الحكمة بعد،
وأن ما عند الله خيرٌ وأبقى،
وأن العدل الإلهي لا يَضلّ ولا يَنسى.
ختامًا ..
لا تُقارن، لا تُحاسب الناس بما ترى، ولا تحكم على حياتك بما تفتقده.
احمد الله على ما أعطاك، واطمئن؛
فلعلّ ما تتمناه كان سيشقّيك،
ولعلّ ما أنت فيه الآن، فيه نجاتك وسلام قلبك.
وكن على يقين:
ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك .




























