الصحوة – شريفة التوبي
“كيفك أنتَ، مَلا أنتَ، بتذكر آخر مرة شفتك سنتا؟” هكذا وبكل هذه بساطة أتت كلمات هذه الأغنية الخالدة، والتي التقط زياد رحباني عباراتها من لسان أمّه فيروز، في لحظة عتاب، وقد ظن الكثيرون أنّها أغنية كتبت لحبيب غائب، وقد كان الحبيب الغائب ابناً “ويا حبذا ريح الولد، ريح الخزامى في البلد، أهكذا كل ولد، أم لم يلد مثلي أحد؟!“.
لطالما عشقتُ صوت فيروز، الصوت الذي أدمنت سماعه في مرحلة سابقة من عمري، وقد شكّل هذا الصوت العميق الدافئ ذائقتي واحساسي تجاه كثيرٍ من الأشياء، إلى درجة أن اختلط عليّ كثير من الأشياء أيضاً، وقد ظننت أن العالم من حولي يشبه صوت فيروز، وأن وجهَ من أحببت وجه أغنية لفيروز، حتى غابت الأصوات كلها في حضور صوتها، فسبحان من جعل في صوتها كل تلك السكينة والجمال.
ورغم ما تملكه فيروز من قوة الصوت وجماله، لكنّها في مرحلة ما، اختارت الصمت، ولاذت بالعزلة، وآمنت كما آمنّا معها أن “الصمت عنوان التخلّي”، لكنّ صوتها الذي ما زالت حتى اليوم نسمعه وتسمعه هي من الشبابيك كل صباح، لم يصمت. ولأنّها تعلم قيمتها ومكانتها، وتعرف نفسها وفنّها لم تتشبث بخشبة المسرح، ولأنّها تعلم عمق جمالها لم تتحايل على الزمن بعمليات النفخ والشد والنحت، ولأنها نجمةً لامعة لا تنطفئ،وجارة للقمر لم تركض وراء بريق الأضواء الباهتة الزائفة، لتظلّ الصورة هي الصورة الشامخة لها في أذهان كل من عرفوها وأحبّوا فنّها. وحتى في ظهورها الأخير في جنازة ابنها زياد، وقد بلغت من العمر تسعين عاما، كانت هي فيروز كما عرفها محبّوها،وكأنها ما زالت واقفة تغنّي في مسرح بعلبك بكل شموخ وعنفوان، فإذا ارتفع صوت فيروز بالغناء صمتت بقية الأصوات وتوارت، وإذا وقفتْ على المسرح لا يدري السامع أيحبها صوتاً أم شخصاً متفرّداً لا يشبه سوى نفسه.
في اللقاء الأخير بين زياد وأمه، لم تعاتب الأم ابنها، ولم تسأله “كيفك أنت؟ عم بيقولوا صار عندك ولاد؟!” لأن زياد الابن الذي أخذ من أمه الكثير، “لن يهمه أن يكون عنده ولاد، حتى لو انقرضت عائلة كعائلة رحباني بموته من غير وارث يرث الاسم وسمات العبقرية”. رأي أحترمه أمام ما نراه من لهفة الحمقى على التزاوج والتناسل حتى امتلأ العالم بهم وبذريّة تحمل سمات حماقتهم، وإلاّ ما الذي أوصل هذا العالم إلى حافة الهاوية؟ّ!
ربما هنا عن الموت لن أتحدّث، ليس لأن هناك ما لا يقال ولكن لأنهم قالوا كل شيء، وكأن الموت يفتح شهية الأحياء للحديث عن الأموات، وكأن الموت يضيف قيمة أخرى لمن مات، حتى يكاد يصبح أجمل ما في الإنسان موته. وحين تعالت أصواتهم رثاء وبكاء، صمتت فيروز (الأم) في حضرة الموت ووجعه، كراهبة في صومعة. ليصبح صمت الوجع هو الصوت الأقوى أمام ضجيج أصواتهم. إنّها فيروز إذا غنّت وفيروز إذا صمتت، وكما اختارت فيروز الصمتَ عنواناً للتخلّي، اختار زياد الصمت الأبدي “بلا ولا شيء”، تاركاً إرثاً خالداً لعائلة لن تموت ولن تنقرض.




























