الصحوة- بلقيس الهنداسية
في زمنٍ تحوّل فيه الهدوء المنزلي إلى صمت رقمي، لم يعد غريبًا أن ترى طفلًا غضّ الإبهام يُمسك بجهاز ذكي يحتضنه كما يحتضن لعبته الصغيرة ، يُقلّب المقاطع بمهارة تفوق عمره، يضحك بانسجام مع رسوم متحركة، أو يحدّق بصمتٍ غارق في لعبة إلكترونية.
لقد تسلّلت الشاشات إلى تفاصيل يومهم كأنها فرد من أفراد الأسرة، تحاكيهم أكثر مما نحاكيهم، وترافقهم أكثر مما نرافقهم، فأصبحت المعلمة والرفيقة، بل والمربية أحيانًا، في مشهد يُثير تساؤلات عميقة حول ملامح الطفولة التي نرسمها لأجيالنا القادمة!
مع تسارع إيقاع الحياة الحديثة، وانشغال الأهل بمتطلبات العمل والمهام اليومية، أصبح من الشائع استخدام الأجهزة الذكية كوسيلة للتهدئة أو الإلهاء،بل إن البعض يراها “الحل السريع” لكل نوبة بكاء أو ملل تحدث للطفل؛ غير أن هذا الاستخدام المفرط الذي يبدو مريحًا في الظاهر وبشكلٍ مؤقت، قد يُخفي في داخله آثارًا سلبية عميقة على بنية الطفل وتوازنه النفسي والسلوكي.
الدراسات والتقارير التربوية والنفسية تؤكد أن الاستخدام غير المنضبط للأجهزة الذكية يُساهم في خلق حالة من العزلة لدى الطفل، ويؤخر تطوّره اللغوي والاجتماعي، كما يُضعف قدرته على التركيز والتفاعل الطبيعي، ومع مرور الوقت قد تظهر سلوكيات عدوانية أو نوبات غضب مُفاجئة، ناهيك عن تراجع الرغبة في اللعب الحركي، والتفاعل الأسري، والاختلاط مع الأقران، الأمر الذي يُحدث فجوة كبيرة بين الطفل وبيئته الطبيعية اليومية .
لكن السؤال الذي يُطرح هنا: هل المشكلة في وجود الجهاز الذكي؟ أم في كيفية استخدامه؟
من المؤكد أن التكنولوجيا لم تعد رفاهية، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحياة المعاصرة، ومع ذلك فإن ترك الطفل يتعامل معها دون توجيه أو حدود يُشكّل خطرًا لا يقل عن أي خطر آخر ؛ فالمحتوى المعروض قد لا يكون دائمًا مناسبًا، والتعرض المستمر للإثارة البصرية والسمعية قد يُرهق الدماغ الصغير ويؤثر في نُموّه الطبيعي.
ويبقى التحدي الأكبر كامنًا في غياب ميزان واضح داخل كثير من البيوت؛ فلا أوقات محددة تُرسم لاستخدام هذه الأجهزة، ولا عين تتابع ما يشاهده الطفل أو يتفاعل معه، ولا تُقدّم بدائل حيّة تروي حاجته للّعب أو المعرفة، وفي كثير من الأحيان، يتحوّل الهاتف الذكي إلى أداة للثواب والعقاب؛ فيُحرم الطفل منه عند الخطأ، ويُمنح عند الإنجاز، بل وقد يُكافأ بجهاز جديد كجائزة ؛ ما يرسّخ في ذهنه أن قيمة سلوكه تُقاس فقط بشاشة تُمنح أو تُنتزع.
في مقابل ذلك، يمكن للأسرة أن تصنع الفارق من خلال بناء علاقة واعية مع العالم الرقمي، علاقة تقوم على التوجيه لا المنع ؛ إذ لا بأس أن يستخدم الطفل الجهاز الذكي، لكن ضمن وقت محدود ومحتوى هادف، وبمرافقة من أحد الوالدين ، كما أن خلق أنشطة بديلة مثل القراءة أو الرسم أو اللعب الجماعي أو التمارين الرياضية ، يُعزّز من التوازن النفسي، ويُعيد الطفل إلى دائرة الحياة الحقيقية بكل مرونة.
لقد أصبح من الضروري أن ندرك أن تربية الطفل في عصر التكنولوجيا تتطلب وعيًا مضاعفًا، وفهمًا عميقًا لاحتياجاته النفسية والاجتماعية، لا مجرد توفير وسيلة تسلية أو تعليم، وإذا كنا نطمح إلى بناء جيل واعٍ ومُتزن، فإن مسؤوليتنا تبدأ من الآن داخل البيت، وضمن تفاصيل الحياة اليومية، حيث نُعلّم أبناءنا أن التكنولوجيا وسيلة لا غاية، وأن الحياة خارج الأجهزة أكثر اتساعًا وعمقًا.


























