الصحوة : علي الحداد
لا تبدأ بعض العلاقات من الحاضر، وإنما تصل إليه محمولةً بإرثٍ طويل. والعلاقات العُمانية الفرنسية واحدة من تلك العلاقات التي لم تجعل التاريخ غايةً في ذاته، بل حولته إلى نقطة انطلاق نحو المستقبل، فكل جيل ورث رصيدًا من الثقة، ثم أضاف إليه صفحةً جديدة، حتى غدت الصداقة التي بدأت قبل ثلاثة قرون شراكةً تتطلع بثقة إلى الغد. فليست قيمة هذه العلاقة في امتدادها الزمني فحسب، بل في قدرتها على أن تضيف مع كل مرحلة معنىً جديدًا إلى ما سبقها، وأن تجعل من الماضي أساسًا يُبنى عليه المستقبل.
لقد قامت هذه العلاقة، منذ بداياتها، على الاحترام المتبادل والانفتاح والتواصل. تغيرت موازين القوى في العالم، وتعاقبت التحولات السياسية والاقتصادية، غير أن الصداقة بين مسقط وباريس احتفظت بقدرتها على التكيف مع المتغيرات، حتى أصبحت واحدةً من أكثر العلاقات العربية الأوروبية رسوخًا واستقرارًا، لأنها لم تُبنَ على مصالح عابرة، بل على ثقةٍ تراكمت عبر الزمن.
وفي عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ دخلت هذه العلاقة مرحلةً جديدة، لم تقطع صلتها بالماضي، وإنما أعادت توظيف إرثها الدبلوماسي في خدمة المستقبل. فذلك الرصيد الذي صنعته سلطنة عُمان عبر القرون لم يبقَ محفوظًا في الذاكرة، بل تحول إلى قوةٍ تتحرك في الحاضر، تنسجم مع رؤية «عُمان 2040» التي جعلت من السياسة الخارجية شريكًا في التنمية، ومن الحضور الدولي قوةً تفتح للاقتصاد والمعرفة والاستثمار آفاقًا أرحب.
ومن هذا المنطلق، حافظت سلطنة عُمان على ثوابتها الدبلوماسية القائمة على الحوار، واحترام القانون الدولي، وصون سيادة الدول، لكنها وسعت آفاق هذه المبادئ لتصبح جزءًا من مشروع وطني يربط بين الحضور الدولي والتنمية الاقتصادية، ويجعل الدبلوماسية رافدًا من روافد بناء المستقبل.
ولهذا اكتسبت العلاقات العُمانية الفرنسية مضمونًا أكثر عمقًا، فلم يعد التشاور بين البلدين يقتصر على العلاقات الثنائية، بل امتد إلى تبادل الرؤى حول القضايا الإقليمية والدولية، وأمن الممرات البحرية، واستقرار المنطقة، وتعزيز الحلول السلمية للأزمات. وقد تجسد هذا التوجه بوضوح في الزخم المتنامي الذي شهدته العلاقات العُمانية الفرنسية في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ من خلال تعزيز التشاور السياسي، وإطلاق الحوار الاستراتيجي العُماني الفرنسي، بما مثله من انتقال بالعلاقة إلى مرحلة أكثر شمولًا واتساعًا. وبذلك انتقلت العلاقات من مرحلة التعاون المتعدد إلى مرحلة التخطيط الاستراتيجي المشترك، بما يعكس نضج الشراكة واتساع آفاقها المستقبلية.
ولم يكن الحوار الاستراتيجي إطارًا شكليًا، بل منصةً جمعت السياسة والاقتصاد والطاقة والثقافة والتعليم والبحث العلمي في رؤية واحدة، تؤمن بأن العلاقات الراسخة لا تُدار بملفات منفصلة، وإنما بمنظور متكامل يجعل المستقبل امتدادًا طبيعيًا لما صنعه التاريخ. ولم تكن العلاقات العُمانية الفرنسية تتبدل مع تعاقب العهود بقدر ما كانت تتطور؛ فكل مرحلة أضافت لبنةً جديدة إلى بناءٍ بدأ قبل قرون، حتى غدا اليوم شراكةً استراتيجية تنظر إلى المستقبل بثقة تستند إلى تاريخ طويل من الاحترام المتبادل.
ومن هنا، لم تعد الدبلوماسية تكتفي بفتح أبواب الحوار، بل أصبحت تمهد للاستثمار، وتفتح الطريق أمام المعرفة والتقنية، حتى بدا الاقتصاد يواصل ما بدأته السياسة، وأصبحت التنمية تتحرك على الجسور نفسها التي بنتها الثقة بين البلدين.
وانعكس هذا التوجه على التعاون الاقتصادي الذي اتجه نحو قطاعات المستقبل، وفي مقدمتها الطاقة التقليدية والمتجددة، والهيدروجين الأخضر، والصناعات المتقدمة، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا والفضاء، وإدارة المياه والاتصالات. وتجسد ذلك في مشروعات نوعية، مثل مشروع «مرسى» للغاز الطبيعي المسال، و«منح 1» للطاقة الشمسية، والتعاون في مشروع «عُمان سات-1»، إلى جانب مشروعات الكهرباء والمياه، بما يعكس انتقال الشراكة من تبادل المصالح إلى بناء القيمة المضافة، ونقل المعرفة، وصناعة اقتصاد أكثر استدامة.
كما واصل التبادل التجاري والاستثمارات الفرنسية في سلطنة عُمان نموهما، مدعومين ببيئة استثمارية مستقرة، وتشريعات حديثة، وموقع جغرافي استراتيجي، بينما أسهم مجلس الأعمال العُماني الفرنسي في توسيع الشراكات بين القطاع الخاص، وتحويل التفاهم السياسي إلى فرص استثمارية مستدامة.
غير أن العلاقات التي تقوم على السياسة والاقتصاد وحدهما، مهما بلغت قوتها، تبقى بحاجة إلى بعدٍ إنساني يمنحها الاستمرار. وهنا برزت الثقافة والمعرفة بوصفهما الجسر الأكثر رسوخًا بين الشعبين. فقد شهد التعاون الثقافي والعلمي تطورًا متواصلًا عبر برامج تعليم اللغتين العربية والفرنسية، والمنح الدراسية، وتبادل الطلبة والباحثين، والبرامج التدريبية، وتأهيل الكفاءات العُمانية في المؤسسات الفرنسية، بما يعكس إيمان البلدين بأن المعرفة هي الاستثمار الأكثر بقاءً، وأن التقارب الحقيقي يبدأ حين تتبادل الشعوب العلم والثقافة قبل أن تتبادل المنافع.
ويؤدي المركز العُماني الفرنسي دورًا مهمًا في تعزيز هذا التقارب، فيما يجسد المتحف العُماني الفرنسي، ومشروع «بيت فرنسا»، والتعاون مع متحف عُمان عبر الزمان، ذاكرةً مشتركة تحفظ تاريخ هذه العلاقة، وتقدمه للأجيال الجديدة بوصفه تجربة حضارية قامت على الاحترام والانفتاح والتواصل قبل أن تقوم على المصالح.
وهكذا تبدو العلاقات العُمانية الفرنسية في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم امتدادًا لمسيرة عريقة، لكنها تعبر في الوقت نفسه عن مرحلة منحت هذا الإرث أفقًا جديدًا، وجعلت من الدبلوماسية قوةً تدفع التنمية، ومن الاقتصاد مساحةً لترجمة الثقة، ومن الثقافة أساسًا لترسيخ التقارب الإنساني بين الشعبين.
وهكذا تُسدل هذه الرحلة صفحاتها بعد مسيرةٍ امتدت عبر عهود الدولة البوسعيدية، من الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي الذي انطلقت في عهده البدايات الأولى، مرورًا بمن تعاقب من أئمةٍ وسلاطين رسخوا جسور التواصل، وصولًا إلى عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حيث غدا ذلك الإرث شراكةً تنظر إلى المستقبل بثقة. ولعل الزيارة الرسمية التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم إلى الجمهورية الفرنسية تمثل خير تعبير عن هذه المرحلة؛ فهي لا تمثل بدايةً للعلاقات بين البلدين، وإنما تؤذن بفصلٍ جديد في مسيرة صداقةٍ امتدت ثلاثة قرون، وما تزال تكتب صفحاتها بثقةٍ تتجه نحو المستقبل. وهكذا يبقى التاريخ بين عُمان وفرنسا ليس مجرد ذاكرةٍ تُروى، وإنما مسيرةٌ تتجدد مع كل مرحلة، وآفاقٌ أرحب تصنعها الثقة والاحترام والإرادة المشتركة.




























