الصحوة : علي الحداد
ليست كل الثروات تُستخرج من باطن الأرض، ولا كل الإنجازات تُقاس بما يرتفع من عمران أو بما تزخر به التقارير من أرقام. فثمة ثروةٌ أخرى لا تُرى، لكنها تغيّر حياة الإنسان كلها، أن يخرج من منزله مطمئنًا، وأن يعود إليه مطمئنًا، وأن يمضي في يومه دون أن يحمل الخوف على كتفيه. تلك هي الثروة التي لا تُسجَّل في الأسواق، لكنها تُحفظ في ذاكرة الشعوب، لأنها تمنح الإنسان أثمن ما يمكن أن تمنحه الأوطان .. راحة القلب. ولعل أعظم ما يميزها أنها لا تُولد في لحظة، ولا تُشترى بالمال، بل تُبنى بصبر الدول، وعدالة قوانينها، ورسوخ مؤسساتها، حتى تصبح الطمأنينة جزءًا من هوية المكان، كما يصبح النبض جزءًا من الحياة. فهي لا تُرى بالعين، لكنها تُدرك بالقلب، ولا تحتاج إلى إعلانٍ عن حضورها، لأن الإنسان يشعر بها قبل أن يبحث عنها.
وحين جاءت سلطنة عُمان في المرتبة الثانية عالميًا بين أكثر دول العالم أمانًا لعام 2026، لم يكن العالم يكتشف وطنًا آمنًا للمرة الأولى، بل كان يمنح اسمًا لما عرفه كل من عاش على هذه الأرض أو مرّ بها. فالأمان هنا ليس حالةً فرضتها الظروف، ولا نجاحًا مؤقتًا صنعته مرحلة استثنائية، بل ثمرة مشروعٍ وطنيٍ آمن بأن الإنسان هو البداية والنهاية، وأن التنمية لا تكتمل إلا إذا سارت إلى جوار الطمأنينة. ولهذا يشعر الزائر، منذ لحظاته الأولى، بأن المكان لا يستقبله بالمباني ولا بالشوارع وحدها، بل بشيءٍ أعمق من ذلك، إحساسٌ هادئٌ يصعب تفسيره، لكنه سهل الشعور به. وربما لهذا يمضي السائح في أسواق عُمان التاريخية، وبين جبالها وشواطئها، وهو منشغلٌ باكتشاف جمال المكان، لا بالتفكير في سلامته، فالطمأنينة هنا تسبقه إلى الطريق، وترافقه في رحلته، حتى تغدو الرحلة نفسها امتدادًا لطمأنينةٍ يسكنها المكان، قبل أن تسكن الإنسان. فالطمأنينة لا تحتاج إلى تعريف، لأنها تُعرَف منذ الخطوة الأولى، وتسبق الكلمات إلى القلب قبل أن تصل إلى العقل، وكأن الوطن يهمس لكل من يطأ أرضه .. هنا تستطيع أن تنشغل بالحياة .. لأن أحدًا قد انشغل من قبلك بحماية سكينتها.
فالطمأنينة ليست شجرةً تنبت وحدها، ولا هبةً تمنحها الأيام للأوطان، بل حضارةٌ تُسقى كل صباحٍ بالعدل، وتشدُّ جذورها القوانين، وتظللها الثقة بين الإنسان ودولته، حتى ينسى الناس أنها إنجاز، لأنهم اعتادوا أن يعيشوها. وهكذا صنعت سلطنة عُمان هذا الشعور عامًا بعد عام، برؤيةٍ آمنت بأن حماية الإنسان تبدأ قبل أن يحتاج إلى الحماية، وأن هيبة القانون لا تُقاس بصرامة العقوبة وحدها، بل بقدرته على أن يجعل الجريمة حدثًا استثنائيًا لا خبرًا يتكرر مع كل صباح. ومن هنا جاءت التشريعات الحازمة، والتنظيم الدقيق للإقامة والعمل، والمواجهة الصارمة للمخدرات والجريمة المنظمة، والتصدي لجرائم تقنية المعلومات، والتطوير المستمر لمنظومة الأمن والرقابة الذكية، لتشكّل جميعها رؤيةً واحدةً لا تبحث عن معاقبة الخطأ بقدر ما تعمل على ألا يجد الخطأ طريقه إلى المجتمع.
وفي كثيرٍ من البلدان يتلفت المسافر حوله باحثًا عن علامات الأمان، أما في سلطنة عُمان فإنه يكتشف الأمان قبل أن يبحث عنه. يستقبله شعورٌ لا تستطيع التقارير الدولية أن تقيسه، ولا الكلمات أن تحيط به، كأن المكان يقول لزائره بصمتٍ عميق .. سر مطمئنًا .. فهنا لا تحرسك الأسوار وحدها، بل يحرسك وطنٌ جعل الطمأنينة لغته اليومية، حتى غدت تُعاش كما يُعاش الهواء، لا يلتفت إليه أحد لأنه حاضرٌ في كل لحظة، ولا يشعر بقيمته إلا إذا غاب. وهكذا أصبحت الطمأنينة في سلطنة عُمان واقعًا يوميًا، لا امتيازًا يلتفت إليه الناس في المناسبات. ولم يكن ذلك ليتحقق لولا الثقة التي نسجت العلاقة بين المجتمع ومؤسساته، حتى أصبح احترام القانون سلوكًا عامًا، وأصبحت المسؤولية المشتركة إحدى الركائز التي يقوم عليها هذا الاستقرار، في انسجامٍ مع سياسةٍ خارجيةٍ جعلت السلام والحوار وبناء الجسور امتدادًا طبيعيًا لما تؤمن به الدولة في الداخل.
ولهذا لم يكن المركز الثاني عالميًا مجرد موقعٍ متقدمٍ في تصنيفٍ دولي، بل شهادةً على تجربةٍ إنسانيةٍ نجحت في تحويل الأمن من مهمةٍ تؤديها المؤسسات إلى أسلوب حياة. فالأوطان العظيمة لا تُخلّدها المباني فقط، إنما المشاعر التي تتركها في الإنسان. وربما لهذا السبب، حين يغادر الزائر أو السائح سلطنة عُمان، لا يحمل في ذاكرته الجبال والبحار والأسواق وحدها، بل يحمل ذلك الإحساس النادر بأنه عاش أيامًا لم يكن فيها منشغلًا بالخوف، بل بالحياة نفسها. وتلك هي أعظم هديةٍ يمكن أن يمنحها وطنٌ للإنسان، أن يحرره من القلق، ويتركه ينصرف إلى الحياة نفسها. وحين تبلغ الأوطان هذه المنزلة، فإنها لا تتصدر التقارير العالمية فحسب، بل تكتب اسمها في ذاكرة العالم بوصفها وطنًا لا تُرى أسواره، لأن أسواره الحقيقية شُيّدت في قلوب الناس قبل أن تُشيَّد على حدود الأرض.
وتلك ليست حكاية تصنيفٍ عالمي، بقدر ما هي حكاية وطنٍ اختار أن يجعل الطمأنينة أسلوبًا للحياة، حتى غدا الأمان فيه ليس إنجازًا يُحتفى به، بل هوية وطن.


























