الصحوة : علي الحداد
في قلب إفريقيا، يقف السودان اليوم على حافة هاوية وجودية. فمنذ اندلاع القتال في 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تحول البلد من مسرح لمرحلة انتقالية مأمولة بعد سقوط عمر البشير عام 2019، إلى ساحة حرب أهلية معقدة تتقاطع فيها خطوط الصراع المحلي مع مصالح إقليمية ودولية متشابكة. الحرب التي تدخل عامها الثالث ليست مجرد مواجهة عسكرية بين مؤسستين مسلحتين، بل هي تجلٍّ لأزمة سياسية عميقة تتراكم منذ عقود، وتكشف هشاشة الدولة السودانية وعجز النخب عن صياغة مشروع وطني جامع.
انهيار نظام البشير عام 2019 كان لحظة تاريخية فارقة، فتحت الباب أمام قوى مدنية وعسكرية لمحاولة إعادة بناء الدولة. لكن بدلاً من بناء تحالف استراتيجي نحو الانتقال الديمقراطي، انزرعت بذور الشك بين الجيش والدعم السريع، الذي نشأ أصلاً كقوة شبه عسكرية لمكافحة التمرد في دارفور، ثم توسع نفوذه الاقتصادي والعسكري. في خلفية هذا التوتر، ظل الجيش ينظر إلى الدعم السريع كجسم طارئ يجب إخضاعه، بينما رأى حميدتي في نفسه لاعبًا وطنيًا له شرعية شعبية ودولية، خاصة مع تورطه في ملفات إقليمية مربحة. محاولة دمج الدعم السريع في الجيش وفق جداول زمنية مختلفة كانت الشرارة التي فجرت الصراع، وسط اتهامات متبادلة بـ”الانقلاب على الشراكة”.
انقسمت الساحة السياسية بحدة بين معسكر يرى في الجيش المؤسسة الوحيدة القادرة على حفظ وحدة البلاد ويتهم الدعم السريع بأنه أداة لمشاريع خارجية تهدف إلى السيطرة على السلطة والثروات، ومعسكر يصف الجيش بأنه مخترق من قوى سياسية نافذة تسعى لإجهاض التحول الديمقراطي، ويصور الدعم السريع كحامٍ للمدنيين من عسكرة الدولة. لكن كلا الخطابين يخفي حقيقة أكثر مرارة: غياب مشروع سياسي واضح لأي من الطرفين، وتحول المشهد إلى مواجهة صفرية لا تترك مجالًا لحلول وسط. وفي هذه الأجواء، فشلت الأحزاب السياسية رغم إرثها العريق في لعب دور قيادي، وظلت أسيرة خلافاتها البنيوية وضعف تنظيمها.
لم يبق الصراع داخل الحدود، إذ تداخلت فيه أجندات قوى إقليمية ودولية تسعى لحماية مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، سواء عبر تقديم دعم سياسي أو لوجستي لأحد الطرفين، أو عبر التأثير في مسارات التفاوض. أما جهود الوساطة التي قادتها منظمات دولية وإقليمية عبر منصات مثل جدة وأديس أبابا، فقد تعثرت أمام غياب الإرادة السياسية وتناقض أجندات الوسطاء.
النتائج الإنسانية لهذا الصراع كارثية بلا جدال. هناك أكثر من 12 مليون نازح داخلي و3.8 مليون لاجئ في أكبر أزمة نزوح في العالم. ويعاني 25 مليون إنسان من انعدام الأمن الغذائي، منهم قرابة 755 ألف في حالة مجاعة مباشرة، خاصة في دارفور وكردفان. أكثر من 70% من المستشفيات خارج الخدمة، مع انتشار الكوليرا والملاريا، وحرمان 19 مليون طفل من التعليم. المدن المحاصرة مثل الفاشر تمثل مأساة مضاعفة، إذ يجتمع فيها الحصار العسكري وقيود دخول المساعدات ونهب الإغاثة.
عسكريًا، استعاد الجيش مواقع رمزية مثل مطار الخرطوم والقصر الجمهوري، لكنه يفتقر لأنظمة دفاع جوي فعالة ضد هجمات المسيّرات التي تُطلق أحيانًا من خارج البلاد. أما الدعم السريع، فقد تراجعت قدرته السياسية والعسكرية بسبب الانتهاكات الموثقة والانقسامات الداخلية بين قياداته. ورغم المكاسب الموضعية، لا يملك أي طرف القدرة على تحقيق حسم شامل، ما يطيل أمد الحرب ويعمّق المأساة.
المسارات المستقبلية أمام السودان ضيقة ومليئة بالمخاطر. قد يؤدي ضغط خارجي مكثف إلى وقف إطلاق نار مؤقت وفتح ممرات إنسانية عاجلة، لكنه يظل مهددًا بالانهيار في ظل غياب الثقة. أو قد تستمر الحرب لسنوات، مما يكرس واقع تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ متناحرة على غرار النموذج الليبي، لكن مع أزمة إنسانية أعمق. وفي أسوأ الاحتمالات، قد ينهار ما تبقى من الدولة تمامًا، مما يفتح الباب أمام تدخلات عسكرية خارجية مباشرة.
على المدى القصير، قد نشهد “هدنة هشة” إذا ما توافرت الإرادة السياسية والدعم الدولي، تتبعها محاولات لإدارة الصراع بدل حله. وعلى المدى المتوسط، قد تتشكل مناطق شبه مستقرة تتعايش مع جيوب مشتعلة، وهو ما يرسخ الانقسامات السياسية والمناطقية. أما على المدى الطويل، فالمعادلة ستكون بين إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، أو الانزلاق نحو التفكك الكامل.
السودان اليوم ليس أمام خيار مثالي، بل أمام خيار وحيد للبقاء: وقف الحرب، كبح التدخلات الخارجية، وبناء مشروع وطني جامع. لكن هذا يتطلب إرادة سياسية شبه غائبة، وضغطًا دوليًا غير مسبوق، واستعدادًا من المجتمع لتجاوز خطاب الكراهية والانقسام. فالحرب قد تبدأ بقرار من رجلين، لكنها لا تنتهي إلا حين يقرر الملايين أن حياتهم أهم من معارك السلطة .



























