الصحوة / نصر بن منصور الحضرمي
في رفقة شخص ما ، عاش في زمن مضى ، قد نقف معه عند لحظات منسية في ذاكرته، فنبث فيها الروح من جديد ، لنعيدها الى الحياة لانها خالدة في أعماقه بجمالها ،ومرارتها.
فتلك الذكريات المخزنة في عالمه انطفأت برحيله عن المكان ،ورحيل من شاركوه الطفولة التي تقاسمها معهم ،كانت تلتصق بكل لحظة ،كانت المحطة التي لا تتوقف عن المسير ، مستمدة ثباتها من جمال جزيرة القرنفل التي لونتها أيدي أبائه وأجداده.
في كل المكان بصمة ما، ذكريات معلقة في كل شيء، في الجدران العالية،في الممرات الضيقة ،في الابواب الخشبية والنوافذ المشرعة المحتضنة لهواء منعش يدخل البيوت التي غادرها أصحابها رغما عن قلوبهم وأرضهم التي قضوا فيها زمنا ذهابا وايابا بين هذه الجدران والبيوت والحارات المتلاصقة .قد خلدوا ماضٍ مرصع ببطولاتهم وصراعهم مع تحديات البحر ومعاركهم ضد المحتل والغرباء، رغم الايام التي لم يحسبوا لها حساب وخبأت لهم اليوم الاسود الذي فرض عليهم سلطته وحرمهم أيامهم وسلب منهم مجد أجدادهم!
بصحبة هذا الرجل الذي سافرنا معه الى موطن طفولته تفجّر في أعماقه ألاف الأحلام والذكريات والبطولات والتضحيات ؛ حينما وقف في فرضاني وبيت السركال وقت دنو شمس المغيب، وبحرٍ لا يشبه بحر زنجبار القديمة التي عرفها ، رغمّ الألم المحترق في شرايينه، رغمّ الغصة الذي فتته في بعثرات الكون المنتشرة؛ إلا أنّ الحنين هو الأكسجين الذي اطفىء دخان الظلام، وحرقة الأيام التي افتقدها عنوة.
لكلّ جدارٍ عتيقٍ قصة، لا يعرف حقيقتها سواه، لكلّ بيتٍ رغمّ تغير ملامحه وتغير من يسكنه هناك بقايا متشبثة بجذور الأرض تحنُّ إلى ساكنيها الاصلين وأصواتهم، ربما جلساتهم في البرزة وقت العصر يتبادلون الاحاديث والضحكات ، وربما همساتهم في الليل الحالك وطقوسهم وأحلامهم التي تنسجها أمانيهم وصلواتهم إلى كلّ شيء!
ربما في ماجستك سينما يشاهدون فلم من اخراج يوسف شاهين !او لربما اغاني فريد الأطرش عالقة في هواء زنجبار (يا ظالمي ) و( قلبي ومفتاحه).
ما زلت معه أعيد الذكريات له وأعيد ترميم ماضيه الجميل، ولحظاته في المدينة الحجرية التي لا تزال عالقة في مخيلتِه رغمّ تباعد السنين وازدحامها.
أحاسيسه ومشاعره هي التي ما زالت تؤمن بذكرياته؛ وباسترجاعِ اللحظات! في كل زاوية في كل طريق،في كل سكة، في كل بيتٍ،في كل قصرٍ يغفو عقله بعيدا عن الواقع، ويعاود رسم مخيلته بفرشاةٍ سحريةٍ غالبا ما تختفي على عجلٍ حين يقاطعنا صوت المكان الواقعيّ!
فالذكريات التي يسردها كقصص وحكايات تمر عبر الزمان، بملامحها تستحق أن تكون نصوصا وروايات لتسرد للاجيال تفاصيل أبطالها واللحظات الجميلة الممزوجة أحيانا بالالم ،وذكرى الرحيل ومغادرة المكان التي ما تزال بقايا اجداده وابائه عالقة في كل جدران وطرقات المدينة الحجرية.
هذه الذكريات التي يسردها خلدت تاريخ، وأعطت البقاء لمجدٍ في حروف المخطوطات ،التي إحتضنت عمق مشاعره ومشاعر من عاصرهم، وعاشوا في أكناف سلطنة زنجبار . وترتعش أجسادنا نحن الاجيال الحالية في كل مرة نقرأها !
فكيف للزمن أن يمحو بصمات مجيدة؟!!
لا يمكن الحُب الذي عانق به أجدادنا جزيرة زنجبار أن يمحوه شيءٌ !
الخلود للتاريخ المشرف شيء حتمي وإن حاول الغرباء تشويهه.





























