الصحوة – د. حمد السنّاوي
تدخل س. ع. إلى عيادتي وتستقبلني بابتسامة عريضة. تسأل عن حالي وحال أطفالي، وتعاتبني لأنني لم أعد أزورها، تذكرني بخبز «الولاة» الذي كانت تعطيني منه وأنا طفل صغير ألعب بالقرب من منزلها في مطرح. تنظر إلى ابنها الذي لم تعد تذكر اسمه فتقول: «هذا ولد جارنا، لا أذكر اسمه». ينظر الابن باستغراب؛ لأنني لم أسكن في مطرح ولم ألتقِ بوالدته من قبل. وقبل أن تغادر تذكرني بأن أزورها في المرة القادمة وأن أحضر أطفالي، وتعدني بأن تخبز لي «الولاة» التي تحبها. أودعها، ويتكرر نفس المشهد في موعد زيارتها التالي للعيادة. رغم أن ذاكرة تلك المريضة قد بدأت تتلاشى، إلا أنها كانت صادقة في مشاعرها. لم ألتقِ بها سابقًا ولم أتذوق «الولاة» من يديها، ولعل وجهي ذكرها بشخص آخر لم تعد تذكر اسمه؛ لكنها لا تزال تتذكر أنها كانت تدخل السرور إلى قلبه.
من خلال مقابلتي للعديد من المرضى وأسرهم في عيادتي، أرى أن من أكثر التغيرات المؤلمة التي يسببها مرض الزهايمر هو التلاشي التدريجي للأسماء والوجوه؛ فقد ينظر الزوج إلى زوجته فيحسبها والدته، أو يظن أن أحفاده أولاده، وحتى عندما يأتي المريض إلى العيادة برفقة أحد أبنائه ونسأله: «من هذا الشاب الذي أتى معك اليوم؟» فيجيب: «لا أعرف اسمه، لكنه رجل طيّب». تمحى الأسماء من الذاكرة، لكن يبقى رابط الثقة والمودة.
مع مرور الوقت يفقد المريض قدرته على الكلام ويصبح عاجزًا عن التعبير عن مشاعره بالكلمات، مما يترك أفراد أسرته في حيرة: هل ما زال يحبنا؟ أتذكر سؤال ابنة أحد مرضى الزهايمر: «هل والدي لا يزال يحبنا؟» فأجبتها: نعم. قد لا يستطيع أن يعبر عن حبه لكم بالكلمات، لكنه لا يزال يشعر به؛ لذلك يجب الاستمرار في التعبير عن حبكم له عبر لغة الجسد، كأن تلمسوا يده بحنان، وتواصلوا النظر في عينيه وأنتم تتحدثون معه، أو أن تُحضِروا له عطرًا مألوفًا أو كتابًا قديمًا يحبّه. حتى وإن فقد القدرة على القراءة، فيمكن أن توقظ هذه الأشياء الذكريات الجميلة وتبعث في نفسه البهجة والطمأنينة.
يخبرنا العلم أن الذاكرة البشرية تنقسم إلى نوعين: الذاكرة المعرفية والذاكرة العاطفية. الذاكرة المعرفية تخزن الأسماء والتواريخ والمهارات، بينما تحفظ الذاكرة العاطفية بصمات المشاعر المرتبطة بمراحل الحياة المختلفة، مثل التخرّج من الجامعة، الوقوع في الحب، حفل الزواج، وفرحة احتضان المولود للمرة الأولى.
تُظهر الأبحاث العلمية أن مرض الزهايمر يهاجم الذاكرة المعرفية مبكرًا، بينما تبقى الذاكرة العاطفية محفوظة حتى المراحل المتأخرة من المرض. لذا يشجع المختصون الأسر على الاستمرار في زيارة أحبائهم حتى لو بدا أن المريض لا يعرفهم. فقد ينسى المريض اسمك أو أنَّك أتيت لزيارته، لكن يبقى شعور الدفء والارتباط.
يجب على أفراد الأسرة تجنّب حبس مريض الزهايمر داخل المنزل طوال الوقت، لأن الحركة والتعرّض للهواء الطلق تحسّن من الحالة المزاجية للمريض. فجولة قصيرة بالسيارة، أو المشي على رمال الشاطئ، أو الاستمتاع بصوت العصافير في الحديقة تدخل السرور إلى قلبه. قد لا يتذكر المريض من أخذه إلى الشاطئ، لكنه يذكر أن شخصًا ما جعله يشعر بالسعادة ولو لدقائق قصيرة.
تشير الدراسات أيضًا إلى أن مشاعر الحزن والضيق تستمر فترة أطول من الشعور بالسعادة عند مرضى الزهايمر. لذا يُنصح بتجنّب الشجار مع المريض أو أمامه، والتركيز بدلًا من ذلك على خلق لحظات من الفرح والسكينة والطمأنينة.
رغم التطور في الأبحاث العلمية، يبقى الواقع المؤلم أننا لا نستطيع هزيمة الزهايمر بعد؛ لكن يمكننا أن نقدّر كل لحظة نعيشها مع المريض. قد يعجز المريض عن التعبير عن الحب، لكنه لا يزال يشعر به في داخله.




























