الصحوة – علي الحداد
دخلت العلاقات الأمريكية الخليجية مرحلة حرجة غير مسبوقة بعد الهجوم الإسرائيلي الأخير. هذا الحدث لم يكن مجرد ضربة عسكرية طالت قادة من حركة حماس، بل مسّ مباشرة السيادة الإقليمية وأحرج واشنطن أمام أقرب حلفائها. كثير من المحللين باتوا يعتبرون أن ترامب يمثل نموذج الحليف غير الموثوق، إذ يتعامل مع الاتفاقات الأمنية والالتزامات الاستراتيجية بعقلية الصفقات التجارية القابلة للنقض في أي وقت، وهو ما يجعل دول الخليج تدرك أن الارتهان الكلي لواشنطن لم يعد مضمون النتائج.
في هذا السياق يمكن تصور عدة سيناريوهات. الأول أن تسعى الولايات المتحدة إلى ترميم الثقة عبر تقديم ضمانات أمنية أو ترتيبات عسكرية جديدة، سواء عبر تعزيز منظومات الدفاع الصاروخي في الخليج أو عبر التزامات مكتوبة تمنع تكرار ما حدث. هذا السيناريو يحافظ على الإطار التقليدي للتحالف لكنه يتطلب من واشنطن أن تثبت جدية لم تُظهرها خلال السنوات الماضية، خصوصاً في هجمات طالت السعودية والإمارات ولم تُقابل برد أمريكي حاسم.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في لجوء دول الخليج إلى سياسة “التحوط الاستراتيجي” من خلال توسيع شبكة تحالفاتها مع قوى أخرى مثل الصين وروسيا وتركيا وحتى الهند وباكستان، دون أن يصل الأمر إلى قطيعة مع واشنطن، وإنما لتقليل المخاطر الناجمة عن الاعتماد الأحادي عليها. في هذا الإطار يبرز ما أعلن مؤخراً عن اتفاقية تعاون أمني واقتصادي بين السعودية وباكستان، تهدف إلى تبادل الخبرات العسكرية واستثمارات في قطاع الصناعات الدفاعية، وهو مؤشر على أن الرياض تفتح قنوات موازية تعزز استقلاليتها في حال تراجع المظلة الأمريكية.
السيناريو الثالث هو تعزيز العمل الخليجي المشترك، سواء عبر تفعيل منظومات دفاعية عربية أو إسلامية كانت مؤجلة، أو عبر بناء صيغ جديدة للتنسيق الأمني. وقد أظهر التضامن الذي برز في أعقاب الهجوم أن دول الخليج قادرة على توحيد مواقفها متى اقتضت الظروف، ما يفتح الباب أمام فرص عملية لترسيخ التعاون الجماعي لمواجهة التحديات الإقليمية.
المحصلة أن التطورات الأخيرة قد تكون نقطة انعطاف تدفع الخليج نحو مرحلة إعادة الحسابات الكبرى. فبين خيار الاستمرار في العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن بشرط الحصول على ضمانات ملموسة، وخيار الانفتاح على شركاء جدد مثل باكستان والهند والصين وروسيا، تتشكل ملامح واقع إقليمي جديد. هذا الواقع قد لا يعني الانفصال عن الولايات المتحدة، لكنه بالتأكيد يفتح الباب أمام نظام متعدد الأقطاب تتحرك فيه دول الخليج بمرونة أكبر، بما يحمي سيادتها ويقلل من كلفة الارتهان لحليف واحد متقلب مثل ترامب .




























