الصحوة – سعاد الوهيبية
في قلب ولاية العامرات، وبين تضاريسها التي تتعانق فيها الجبال مع المزارع الوادعة، ينبض فلج الحاجر كوشاح من الحياة يمتد منذ قرون، يروي الأرض والإنسان معًا، هناك، حيث تنساب المياه في صمتٍ عذب، تحكي القنوات القديمة قصة العمانيين مع الصبر والإبداع، ومع عشقهم الأزلي للماء والتراب.
يبدأ الفلج رحلته من عيونٍ صافية تنبع من بطون الجبال، فتجري مياهه بخفةٍ عبر ممراتٍ صخرية نُحتت بأنامل الأجداد، الذين أدركوا أن الماء حياةٌ لا تُهدَر، وأن العدالة في توزيعه هي سرّ بقاء القرى، كانت جداول الفلج تروي النخيل، وتنعش المزارع، وتملأ القلوب بالسكينة حين يلتقي صوت خرير الماء بوقع خطوات المزارعين مع إشراقة الصباح.
لم يكن فلج الحاجر مجرد موردٍ مائي، بل كان ملامح مجتمعٍ متكافلٍ يتقاسم الخير والجهد، عنده تجتمع القلوب قبل السواقي، ويُقسَّم الماء بالاتفاق والرضا، في طقسٍ عمانيٍّ عريقٍ يجمع بين الحكمة والإيمان، ومن حول الفلج، تتوزع البيوت الطينية والبساتين الغنّاء، في مشهدٍ يحتضن عبق الماضي ويعانق دفء الحاضر.
ورغم تغيّر الأزمنة واتساع العمران في ولاية العامرات، ما زال فلج الحاجر يحتفظ بصفائه وبهائه، كأنه يصرّ على أن يبقى شاهدًا على ذاكرةٍ لا تموت، وحكايةٍ تُروى مع كل قطرة ماءٍ تسري في مجراه؛ إنه رمزٌ للعراقة، وصوت الأرض حين تهمس بالحياة.
هكذا يظل فلج الحاجر أكثر من مجرد فلج؛ إنه ذاكرة الماء وحكاية الأرض، قصةُ انسجامٍ بين الإنسان والطبيعة، تُروى في كل موسم، وتظل حاضرة في وجدان من عرف قيمة الماء وجمال العطاء.



























