الصحوة – علي الحداد
في فجرٍ كانت فيه عُمانُ تتلمّسُ وجهها في مرايا القرون،
وُلد السلطان قابوس في صلالة، ولم يكن أحدٌ يدري أنّه سيُعيدُ للزمانِ مقاييسه،
وللأرضِ نبرتها، وللإنسانِ معناه.
كان السلطان قابوس لا يُشبه أحدًا من الملوك الذين مرّوا في السجلات،
بل صفحةً بيضاءَ كتبها القدرُ، ومهرها بالصبرِ والنور.
طفولةٌ تسمعُ الأرضَ وهي تُصلّي
في ظفار، كانت الطفولةُ تتفيأ ظلالَ اللبان،
يتعلّم الصبيّ الأبجدية من الكتّاب، ثم من التجربة،
يُصغي إلى خطواتِ أبيه السلطان سعيد بن تيمور، وأمه السيدة الجليلة ميزون المعشني،
وبين علماء اللغة والشريعة والتاريخ،
يحفظُ عن الأرض لغتها، وعن المطر صمته.
ثم شدّ الرحالَ إلى بريطانيا في الخمسينيات،
حيث أمضى أعوامًا بين “سافوك” و”ساند هيرست”،
يتلقّى دروسَ النظام والانضباط،
ويتمرّس على فنون القيادة في كتيبة “الكامرونيين”.
ثم يسافرُ في جولةٍ حول العالم، كأنّه كان يجسُّ نبضَ الحضارات
ليعرفَ أين يقفُ وطنه من خارطة الوعي الإنساني.
عاد بعدها إلى صلالة لا يحملُ رتبةً عسكريةً فحسب،
بل مشروعَ أمةٍ كاملةٍ كانت تنتظرُ لحظةَ البعث.
فجرُ النهضة .. حين نطقت البلادُ بلغتها النهضوية
في الثالث والعشرين من يوليو 1970،
أعلنت البلادُ ميلادَها الجديد.
خرج السلطان قابوس إلى شعبه بخريطةٍ للنهضة تبدأ بالإنسان وتنتهي به.
قالها صريحة:
“سنُعلّم من لم يتعلّم،
وسنُداوي من لم يُعالج،
وسنمدّ يدنا لكل من يُسهم في البناء.”
ومن تلك اللحظة، بدأت عُمان تكتشفُ ذاتها كما لم تفعل من قبل.
بناءُ الإنسان قبل الحجر
لم يرَ في العمران إلا انعكاسَ عقلٍ منظمٍ ويدٍ مؤمنةٍ بالعمل.
فأسّس الجامعات والكليات والمعاهد،
من جامعة السلطان قابوس إلى معاهد التقنية والعلوم التطبيقية،
ومن المدارس الأولى في الجبالِ والواحات،
إلى البعثات العلمية التي طافت العالم.
جعل من التعليم سلاحًا أبيضَ لا يُسفكُ به دم،
ومن المرأةِ نصفًا في الفعل لا في العدد.
أنشأ المستشفيات في القرى النائية،
وربطَ المدنَ بالطرق، والناسَ بالأمل،
وحوّل الصحراءَ إلى معجمٍ تُكتبُ فيه قصيدةُ البقاء.
الدولة الحديثة .. نظامٌ يُشبهُ هندسةَ الضوء
رأى أن الدولة لا تُبنى بالشعارات بل بالقوانين.
فأرسى النظام الأساسي للدولة،
وفصَلَ السلطات لتتساند لا لتتنازع،
وجعل من القضاء مرآةَ العدالة.
في عهده نشأت المجالس البلدية ومجلس عُمان بغرفتيه،
وتكاملت مؤسسات الإعلام والرقابة والاقتصاد،
حتى صار المواطن شريكًا في القرار لا متلقيًا له.
وكان للثقافة نصيبُها من الحضور،
فأنشأ دار الأوبرا السلطانية رمزًا للذائقة الرفيعة،
ودعم الشعر والموسيقى والفكر،
فغدت عُمان تخاطبُ العالم بلغتين:
لغة الأصالة، ولغة الفنّ.
درعُ الوطن .. جيشٌ يبني الأمن كما يُبنى السلام
أدرك السلطان قابوس منذ البداية أن الدولة لا تُقامُ بالنهضةِ وحدها،
بل تحتاجُ إلى درعٍ يصونها.
فأسّس القوات المسلحة الحديثة، ووحّد صفوفها،
وبناها على الكفاءةِ والانتماء.
أنشأ الكليات العسكرية ومدارس التدريب،
وزرع في جنوده الانضباطَ قبل السلاح،
لحماية البلاد وتأمين أمنها ووحدتها.
كان يرى في الجنديةِ شرفًا لا مظهرًا،
وفي القوةِ وسيلةً لحماية السلام لا لفرضه.
ومن رحم هذه الفلسفة نهضت الأجهزةُ الشرطية والأمنية،
تحرسُ النهضة كما يحرسُ القلبُ نبضَه،
وتبني ثقةَ الناسِ بالدولة لا خوفهم منها.
حكمةُ السياسة .. وهدوءُ العاصفة
حين تتأزمُ الدولُ وتتعالى الانقسامات،
اختار قابوس طريقَ الاتزان،
لا يميلُ شرقًا ولا غربًا، بل حيثُ تميلُ المصلحةُ العليا للوطن.
لم يرفع صوتَه في ضجيجِ البيانات،
بل في صمتِ المواقف.
وحين اشتعلت المنطقةُ بالحروب،
كانت عُمان واحةَ توازنٍ لا تُنازع أحدًا على دور،
بل تمنحُ الجميعَ مسافةَ أمان.
وسجّل التاريخُ له وساطاتٍ حسمت نزاعاتٍ إقليمية،
منها التمهيدُ للاتفاق النووي الإيراني،
ودعمُ السلامِ في اليمن، ورفضُ العنفِ أينما كان.
لقد صنع مدرسةً في الحياد الإيجابي،
تعلّم منها العالمُ معنى أن تكون قويًا دون أن ترفع سلاحك.
فلسفةُ الجمال .. حين يتأنّقُ الوعي
كان السلطان قابوس ذا ذوقٍ إنسانيٍّ مرهف،
يرى في الموسيقى نظامًا للأرواح،
وفي الفنونِ مرآةً للتهذيب.
أنشأ الفرقَ الموسيقية السلطانية،
واهتم بالخيلِ والهجنِ والرماية،
وفي الوقت ذاته كان متصوّفًا في علاقتهِ بالبيئة.
أنشأ المحميات الطبيعية،
وأطلق جائزةَ السلطان قابوس لصون البيئة،
فصار اسمه يقترنُ بالحفاظِ على الكوكب،
كما يقترنُ بالحكمةِ والنهضة.
الإنسانُ خلفَ العرش
لم يكن قابوس يعيشُ في برجٍ عاجيٍّ،
بل في قلبِ تفاصيل الناس.
جولاتهُ السنوية لم تكن عروضًا سياسية،
بل لقاءاتٍ تفتحُ بين الحاكمِ والشعبِ بابًا من المودّة.
يتحدثُ ببساطةٍ كأنّه أحدهم،
يُصغي للشكوى ويتابعُ الحلول،
ويعفو حين يملكُ العقاب،
إيمانًا بأنّ الصفحَ أعلى درجاتِ القوة.
قابوس .. ووصيّةُ الأمانة
حين أثقلَ عليه المرض،
لم يترك البلادَ أمام المجهول.
كتبَ وصيتهُ في رسالةٍ مغلقة،
تحملُ اسمَ من رأى فيه الامتدادَ واليقين:
السلطان هيثم بن طارق،
ذلك الذي توسمَ فيه الثباتَ والحكمةَ والهدوء.
فجاء الانتقالُ ناعمًا كنسمةٍ من دعاء،
ليُثبت أن الدولَ العاقلة تموتُ فيها الأزماتُ قبل أن تُولد.
الرحيل .. وامتدادُ الحضور
في العاشر من يناير 2020،
غاب السلطان القائد الذي علّم الزمانَ فنَّ الصبر،
لكنه لم يترك فراغًا،
بل نظامًا يعيشُ فيه الشعبُ كما أراده:
مطمئنًّا، منتجًا، منفتحًا على العالم دون أن يذوب فيه.
كانت جنازته درسًا في الوفاء،
والدموعُ التي سالت على وجهِ الوطن
كانت شهادةَ تقديرٍ لا تُكتبُ بالحبر.
قابوس .. الاسمُ الذي صار فكرة
ما عاد اسمه لقبًا يُذكر في الخُطب،
بل معنىً يُقام في السلوك.
في كل مدرسةٍ تُفتح، وكل جامعةٍ تُنشأ،
وفي كل طريقٍ يُعبّد، وفي كل قرارٍ يُبنى على تروٍّ،
يمشي صوته الهادئ خلف الأشياء،
يذكّرنا بأنّ المجد لا يُصنع في يومٍ ولا يُورثُ في قصر،
بل يُزرعُ في الناسِ كما تُزرعُ البذورُ في موسمها.
سلامٌ عليك يا قابوس،
يا من جعلتَ من الصمتِ لغةً للحكمة،
ومن الحكمةِ دستورًا للحياة،
ومن عُمانَ بيتًا يطلُّ على العالم بوجهٍ من نورٍ ووقار.
تبقى في الذاكرةِ آيةً من نُبل،
وفي الوجدانِ يقينًا بأنّ القيادةَ ليست سلطةً،
بل رسالةٌ تُؤدّى، ويُختمُ عليها بخاتمِ الوفاء.





























