الصحوة – سعاد الوهيبية
في الطريق إلى الحيّ القديم بولاية طاقة، تبدو الأزقة وكأنها تستعيد أنفاسها الأولى؛ جدرانٌ صامتة تحمل آثار الزمن، وأبواب خشبية تفوح منها رائحة الخشب المبتلّ بملح البحر. وسط هذا المشهد، يقف بيت كوفان التراثي كأنّه شاهدٌ على تاريخٍ لا يريد أن يغادر الذاكرة.
عند الاقتراب من البوابة الحجرية، يُخيّل للزائر أنّه يدخل فصلاً جديدًا من حكاية قديمة؛ فالمبنى الذي تجاوز عمره 150 عامًا ما يزال واقفًا بحجارته الضفارية الملساء، محرومًا من كل مظاهر الترف الحديث، لكنه غنيّ بما يكفي ليحكي قصص الذين مرّوا من هنا.
كان البيت مُلكًا للتاجر سالم بن فرج كوفان، أحد أبرز وجوه الولاية في ذلك الزمن، وبحكم موقعه القريب من سوق طاقة القديم، كان البيت يتحوّل في بعض الأيام إلى ملتقى للتجّار، تُفتح فيه الدهاريز السفلية لتخزين البضائع القادمة من الموانئ، بينما تعلو في الطوابق العلوية أصوات النساء وهنّ يجهزن القهوة أو يجمعن الأولاد حول فوانيس المساء.
يتميّز البيت بعمارة ظفاريّة أصيلة؛ جدرانٌ مبنية من حجر القص، وسقوفٌ تستند إلى أخشاب محلية تنسجم مع البيئة البحرية والجبلية للولاية، ففي الطابق الأول كانت الحياة اليومية تنبض: مطبخ تقليدي، ومجلس، وممرات ضيقة تُفضي إلى غرف تُسمّى “المحايل”.
أما الطابق الثاني، ففيه “القصور”، غرف العائلة الهادئة التي تطلّ على الأزقة عبر نوافذ صغيرة صُمّمت لتحمي الساكنين من حرارة الصيف ورياح الخريف الموسمية.
ورغم أن السنوات مضت، ظلّ البيت محتفظًا بروحه الأولى، وعندما أُعيد ترميمه لاحقًا وتحويله إلى نُزل تراثي، لم يُمسّ جوهره: بقيت الحجارة كما هي، وظلّت السقوف تهمس بزمنٍ كانت فيه البساطة عنوانًا للحياة.
اليوم، لم يعد البيت مجرد مبنى؛ إنه ذاكرة حيّة لولاية طاقة، ومرآة لعمارةٍ ظفاريّة متفرّدة، ورمزٌ لطريقة عُمان في حماية إرثها العمراني، فبين جدرانه، يكتشف الزائر أن البيوت القديمة ليست مجرد حجارة؛ بل قصص مكتملة، تظلّ تحيا طالما بقي هناك من يستمع إليها.





























